مفتاح سفر الرؤيا
المسيح يسقط القناع عن المسيح الدجال

بقلم بطرس الثاني

إهداء

إلى يسوع
المسيح الحي
العائد بيننا

في 13 أيار 1970
كشف يسوع سفر الرؤيا في لبنان

“تعالي معي من لبنان يا عروس، معي من لبنان” (نشيد الأنشاد 4، 8)

“عما قليل يتحول لبنان جنّة، والجنّة تحسب غاباً.‍‍
وفي ذلك اليوم يسمع الصمّ أقوال الكتاب
وتُبصر عيون العميان بعد الديجور والظلام…
لأن الظالم قد انقرض والساخر قد فني
واستؤصل جميع الذي يسهرون لأجل الإثم”.
(إشعيا 29، 17 – 20)

مقدمة

كتاب “رؤيا يوحنا” أو “كشف الرؤيا” المعروف بـ “سفر الرؤيا” هو كتاب نبوئي يكشف عن أحداث القرن العشرين وأبطالها. هذا العصر الصاخب هو زمن عودة ظهور ونهاية وحش، “المسيح الدجال”، عشية عودة المسيح.

أوحى يسوع نبوءات هذا الكتاب إلى رسوله يوحنا سنة 95 م. رؤيا يوحنا هو “كتاب مختوم بسبعة أختام” (رؤيا 5، 1)، هذا يعني أنه سري للغاية. لا أحد يمكنه أن يفتح هذا الكتاب ويكشف ما فيه (رؤيا 5، 3). وحده يسوع يملك مفتاح تفسير ألغازه (رؤيا 5، 5 – 7). ويسوع هو الذي سيرسل ملاكه مع هذا “الكتاب المفتوح” (رؤيا 10، 1 – 2) ليكشف مضمونه حين تتم الأحداث الرؤيوية المُتنبأ بها (رؤيا 22، 10 / 22، 16).

هذا التفسير لكتاب رؤيا يوحنا لا يأتي ثمرة مجهود شخصي، وإلا لما كانت له أية قيمة، بل نتيجة لما كشفه المسيح لكاهن لبناني عن هوية “وحش” الفصل 13 من هذا الكتاب، كي ينير البشر الصالحين، جميع المؤمنين الحقيقيين. فكان لهذا الكشف وقع مثير في نفس هذا الكاهن، حامل هذه الرسالة.

يتنبأ كتاب الرؤيا عن عودة ظهور هذا “الوحش” الذي كان موجوداً في الماضي (رؤيا 17، 8).

يعود يسوع اليوم، هو أيضاً، لينزع القناع عن هذا “الوحش” ويقضي عليه وعلى أعماله، ويجدد ملكوت الله على الأرض (رؤيا 1، 7 / 22، 20).

هذا “الوحش” هو “المسيح الدجال” الذي يتكلم عنه يوحنا أيضاً في رسائله (يوحنا الأولى 2، 22 / يوحنا الثانية 7). إن الكشف عن هوية هذا الوحش هو المفتاح الذي يفتح (يفسّر) هذا “الكتاب المختوم (كتاب الرؤيا) الذي بيمين الجالس على العرش” (رؤيا 5، 1)، لأنه يؤدي بالتالي، عن طريق التحليل المنطقي، إلى تفسير كل الرموز الرؤيوية.

إن مؤلف هذه الصفحات هو الكاهن الذي عهد إليه الرب يسوع بهذا المفتاح. أدّى الكشف عن هذه الرسالة إلى اضطهادات خبيثة وتهديدات عديدة من قبل مسيحيين لبنانيين– مطارنة، كهنة وعلمانيين– في خدمة الوحش، انخدعوا بطرقه وخافوا من سطوته، فخدموه متخلين عن رسالتهم السامية، فأهملوا الوديعة وخانوا شهادتهم ليسوع المسيح (متى 24، 10 – 12).
فما كان من هذا الكاهن حامل الرسالة الرؤيوية إلا أن انفصل عن الكنيسة بسبب خيانتها وتطوعها في خدمة “الوحش”. كذلك فعل بطرس، تلميذ يسوع، من قبله مع الكنيس اليهودي عندما أجابهم أن عليه “أن يطيع الله لا الناس” (أعمال 5، 27 – 29).

نتج عن هذا الانفصال عن الكنيسة تحرراً فكرياً وتجدداً روحياً جذرياً بالنسبة لهذا الكاهن ولكل الذين آمنوا برسالته، إذ “حكموا بأنفسهم بما هو حق” كما أوصى يسوع (لوقا 12، 56 – 57)، فغدا هؤلاء القادمون من ديانات عديدة وبيئات مختلفة رواد التحرر الروحي، مطلقين من خلال إيمانهم الثابت والشجاع بالرسالة الرؤيوية، وبالمحبة والوحدة اللتان تملكان بينهم، الإصلاح الشامل، زمن تجديد كل شيء الذي تنبأ به بطرس (أعمال 3، 20 – 21).

هذا التحرر جعل منهم مؤمنين مستقلين وشهوداً أصيلين للمسيح الحقيقي، يسوع الناصري.

اللغز المفتاح

يحتوي كتاب الرؤيا على لغز: وحش غامض يظهر في الفصل الثالث عشر. فيقول يوحنا: “رأيت وحشاً خارجاً من البحر، له سبعة رؤوس وعشرة قرون…”

من هو هذا الوحش؟ هذا هو اللغز الرؤيوي الرئيسي. وحدهم الحكماء والأذكياء سيتمكنون من تحديد هوية هذا الوحش:

“وهنا لا بد من الحكمة: من كان ذكياً فليحسب عدد اسم الوحش. هو عدد اسم إنسان وعدده 666″ (رؤيا 13، 18).

هذا اللغز الرئيسي هو مفتاح كل الألغاز الرؤيوية. باكتشافه، تتوضح كل الرموز الأخرى.

كتب يوحنا كتاب “الرؤيا” باللغة اليونانية ويعرف في البلاد الغربية تحت اسم “Apocalypse” أو “Apocalypsé” باليونانية، هذه الكلمة التي يبتدئ بها هذا الكتاب والتي تعني نزع الغطاء، إسقاط القناع أو كشف ما هو خفي.

إنها هوية وحش كتاب الرؤيا التي بقيت خفية ومقنّعة على مدى نحو عشرين قرن. منذ كشف الرؤيا ليوحنا سنة 95 م، حاول كثيرون كشف غموض هذا اللغز، لكن جميع الجهود البشرية باءت بالفشل. أخيراً، في يوم 13 أيار (مايو) 1970، أماط السيد المسيح بنفسه اللثام عن لغز الرؤيا. قبل ذلك التاريخ، ظن البعض أن الوحش يمثل الامبراطورية الرومانية، بينما ظن بعض آخر أنه يرمز إلى الشيطان، وظن آخرون أيضاً أنه الشيوعية، أو هتلر، أو القنبلة الذرية، لكن أياً من هذه الصيغ لم تكن لتنطبق على الأوصاف التي يعطيها كتاب الرؤيا للوحش. لا أحد باستطاعته أن يكشف هوية هذا الوحش بمجهود شخصي. فيعلن كتاب الرؤيا صراحةً أنه “ما قدر أحد في السماء ولا في الأرض” أن يكتشف لغزه، لأن يسوع المسيح وحده يملك هذه القدرة. فيقول يوحنا:

“رأيت بيمين الجالس على العرش (الله) كتاباً مخطوطاً من الداخل والخارج ومختوماً بسبعة أختام (سري للغاية)، ورأيت ملاكاً جباراً ينادي بصوت عظيم: من الذي يحق له أن يفتح الكتاب ويفض ختومه؟ فما قدر أحد في السماء ولا في الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح الكتاب وينظر ما فيه (أن يفهمه). فبكيت (يوحنا) كثيرا لأنه تعذر وجود من يحق له أن يفتح الكتاب وينظر ما فيه (لم يستطع أحد تفسير كتاب الرؤيا لنحو عشرين قرن). فقال لي واحد من الشيوخ: لا تبك، غلب الأسد الذي من عشيرة يهوذا ونسل داود (يسوع المسيح)، وهو سيفتح الكتاب (يفسّره) ويفض أختامه السبعة”. (رؤيا 5، 1- 5).

يسوع وحده إذاً له السلطة على كشف سر الرؤيا. لهذا السبب هذا الكتاب مختوم بسبعة أختام. بالمفهوم النبوئي العدد سبعة هو رمز الكمال. هذا يعني أن سره محفوظ بشكل تام (راجع إشعيا 29، 11).

صفحات هذا الكتاب مخطوطة “من الداخل والخارج” (أي مكتوب عليها من الوجهين). ذلك يعني أن لا أحد يمكنه أن يزيد عليها حرفاً واحداً وإلا فسيدينه الله إلى الأبد:
“وأنا (يسوع) أنذر كل من يسمع الأقوال النبوية في هذا الكتاب أن لا يزيد عليها حرفاً، وإلا زاده الله من النكبات الموصفة في هذا الكتاب! ومن حذف حرفاً من الأقوال النبوية في هذا الكتاب، حذف الله نصيبه من شجرة الحياة ومن المدينة المقدسة، وهما اللتان جاء وصفهما في هذا الكتاب” (رؤيا 22، 18 – 19).
لهذا السبب أيضاً خُتِم هذا الكتاب المقدس “بسبعة أختام” فلا يقدر أحد أن يلمسه، إلا المسيح.

ويعلمنا كتاب الرؤيا أيضاً عن أمر في غاية الأهمية، ألا وهو أن يسوع “سيفتح هذا الكتاب”، أي يشرحه، بكشف سره لمُرسل خاص رآه يوحنا قادماً إلى العالم على هيئة “ملاك” حاملاً بيده “كتاباً صغيراً مفتوحاً”. فيقول يوحنا: “رأيت ملاكاً آخر جباراً ينزل من السماء… بيده كتاب صغير مفتوح” (رؤيا 10، 1 – 2). هذا “الكتاب الصغير المفتوح” هو نفسه الذي يبقيه الله مغلقاً، بما أنه “مختوم بسبعة أختام”. ها هو الآن “مفتوح” بيد “الملاك” لأنه فسّر وأصبح بمتناول الفهم البشري. كتاب الرؤيا هو فعلاً “كتاب صغير” من حيث الحجم. إن التعبير الذي ورد عن الملاك الذي “ينزل من السماء”، يعني أن تفسير الكتاب هو الذي ينزل من السماء.

بالمفهوم النبوئي، كلمة “ملاك” تدل على إنسان مرسل من الله، وليس على ملاك سماوي. كذلك طلب يسوع من يوحنا في كتاب الرؤيا أن يكتب رسائل إلى رؤساء الكنائس السبع على النحو التالي: “أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس (رؤيا 2، 1) … واكتب إلى ملاك كنيسة سميرنة…” (رؤيا 2، 8). هؤلاء “الملائكة” هم بشر.

يبعث يسوع رسوله ليفسّر مضمون كتاب الرؤيا: “أنا، يسوع، أرسلت إليكم ملاكي (رسولي) ليشهد بهذه الأمور في الكنائس” (رؤيا 22، 16). هناك إذاًَ رسولين في كتاب الرؤيا: يوحنا و “الملاك” الذي أرسل فيما بعد.

تلقّى يوحنا رسالة الرؤيا على شكل رموز يعجز الإنسان عن فهمها، وقد طلب منه الرب بوضوح عدم تفسيرها: “أكتم ما نطقت به الرعود السبعة (كلمات الله في كتاب الرؤيا) فلا تكتبه (لا تفسّره)” (رؤيا 10، 4). لكن بعد تسعة عشر قرناً، حين ظهر الوحش، ظهر السيد المسيح أيضاً ليفسّر ألغاز كتاب الرؤيا، وأرسل رسوله الثاني بالأمر الصريح العكسي، وهو أن يشرح الألغاز الواردة في كتاب الرؤيا:

“لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب (كتاب الرؤيا) لأن الوقت (وقت عودة يسوع) قريب (بعد ظهور الوحش)” (رؤيا 22، 10).

من واجبي إذاً، أن أنقل وأن أعلن بأمانة الدوافع التي حثتني على نشر هذه الرسالة.

نصيحة
لا يكفي قراءة هذا النص والتعليق عليه إيجابياً أو سلبياً. بل يجب الرجوع إلى نص كتاب رؤيا يوحنا. إنه كتاب صغير، قراءته لا تتطلب وقتاً. يجب مطالعته عدة مرات، بقلب منفتح على حكم الواقع والحقيقة.

كيف أعلن يسوع اللغز

في يوم 13 أيار (مايو) 1970، ظهر لي يسوع في بيروت (لبنان) ليكشف لي هوية الوحش. لكن قبل هذا الظهور، وعلى مدى عدة سنوات، رؤى أخرى كثيرة هيأتني لهذا الكشف المربك. هذه أهمها:

ظهر لي يسوع سنة 1968 ليسألني:
“سأكشف لك سراً، لكنه سيجلب عليك الكثير من الأعداء. أتقبل لأجلي؟”.
أجبته على الفور: “نعم”. فقبّلني بحرارة واختفى.

بعد هذه الرؤيا ببضعة أشهر ظهر لي من جديد ليتابع كلامه قائلاً:
“لكن قبل كل شيء، أريد أن أعرف إن كنت متعصباً”. في تلك اللحظة لم أعرف بماذا أجيب. في النهاية، قلت له متلعثماً: “إن كان التعصب هو الإيمان بك بصورة عمياء، فليس هذا هو الحال. أنا أعرف لماذا أؤمن بك، وبوعي ومعرفة تامة أتبعك”. حدّق بي، دون أن يجيب، ثم اختفى.

مع ذلك، وبعد عدة سنوات، فهمت أن يسوع كان يقصد بشكل رئيسي تعصب المسيحيين ضد الإسلام والمسلمين.

بعد هذه الرؤيا ببضعة أشهر، قال لي يسوع:
“كثيرون ممن يرسمون إشارة الصليب على وجوههم سيرفضون نبوءاتي. يدّعون الإيمان بالكتاب المقدس لكنهم لا يعيرونه أي اهتمام. وأنت، ستقوم بإسقاط الأقنعة”. لم أفهم، على الفور، ماذا كان يسوع يعني بذلك.

في 28 نيسان 1969 قال لي الرب:
“قل لهم: كل من يقول: قدوس، قدوس، قدوس هو الرب، الإله العلي القدير، مبارك الآتي باسم الرب، سيرى في روحه الذي سيكشف له الحقيقة” (راجع إشعيا 6، 3 ومتى 21، 9).

في 4 أيار (مايو) 1969، كنت في دير المخلص، بالقرب من صيدا، في جنوب لبنان. أثناء قيلولتي شاهدت الرؤيا التالية: كان الكتاب المقدس باللغة الفرنسية مفتوحاً على الفصل العاشر من كتاب الرؤيا، فإذا بي أرى الآية التالية تنفصل بوضوح عن النص:

“يجب أن تتنبأ من جديد على كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك” (رؤيا 10، 11).

وقد ظهرت كلمة “من جديد” بأحرف كبيرة تتلألأ بانتظام مع دقات قلبي كأنها مترابطة. ثم رأيت ذراعاً يمنى من نور، جبارة، تشير بالسبابة إلى صدري، وسمعت صوتاً جهوراً يقول لي باللغة العربية: “هذه الرسالة معهودة إليك أنت!” في تلك اللحظة، سمعت رنين الهاتف. فقال لي الصوت: “هذا الاتصال لك. يطلبونك من بيروت. لتكن هذه إشارة لك بأنني أنا الذي أكلمك”. لم أنهض لأجيب على الهاتف. فبما أنني كنت ضيفاً في ذلك الدير، كان من واجب أحد الرهبان أن يجيب. وبقي الهاتف يرن لوقت طويل.

في ذلك الوقت، كنت أجهل كل شيء عن كتاب رؤيا يوحنا، مع العلم بأنني كنت قد قرأته مرتين، منذ زمن بعيد، دون أن أفهم أو أحفظ منه شيئاً. لم أشعر بأي ميل نحو هذا الكتاب. كان من شأن العلماء أن يفسّروه. كنت أكتفي بسائر كتب العهد القديم، بالنبوءات التي تتكلم عن المسيح، بالأناجيل، وبكلام يسوع الواضح الموجود فيها. كنت كمعظم الناس، وكمعظم الكهنة أيضاً، أنفر من كتاب الرؤيا بسبب رموزه الغامضة التي توهن عزيمة معظم قارئيه.

بالرغم من أن هذه الرؤيا قد هزتني في أعماقي، فتحت الكتاب فوراً على الفصل العاشر و، صُعقت إذ وجدت نفس النص في نفس الموقع الذي رأيته في الرؤيا، بفارق أن كلمة “من جديد” لم تكن بأحرف كبيرة هذه المرة. فاحترت ولم أعد أدري بماذا أفكر: “ربما الشيطان يريد أن يوهمني أنني شخص مهم، عنده رسالة سماوية”. سرعان ما أدركني الخوف، فتناولت مسبحتي وانكبيت على الصلاة متوجهاً إلى العذراء: “أنتِ أمي؛ نوريني”. وهرعت إلى الحديقة لأصلي المسبحة. فما أن وصلت إلى مدخل الحديقة، حتى بادرني البواب بالكلام: “أبونا، أين كنت؟ لماذا لم تجيب على الهاتف؟ طلبك أحد من بيروت”. فاندهشت من هذا السؤال، وشرحت له أن ذلك ليس من واجبي، بل من واجب أحد الرهبان. تدخل البواب زاد من حيرتي وارتباكي. فكانت تلك إشارة أخرى واضحة ليد الله في هذه الرؤيا.

في ذلك الوقت، لم أكن أعلم لماذا يجب علي “أن أتنبأ من جديد على…”. كانت هذه الرؤيا السماوية أول اتصال عميق لي مع هذا الكتاب الصغير، ومع ذلك لم أكترث له وقررت أن أتجاهله.

في 19 نيسان (ابريل) 1970، سألني يسوع باللغة الفرنسية:
“هل تعلم لماذا أرسلتُ مريم، أمنا، لتظهر في بلدة فاطمة دون سواها؟ إن كانت لديك حكمة، جاوبني”.

فاحترت ورحت أبحث عن جواب منطقي لكن دون جدوى. بعد وقت قصير من التفكير، اعترفت خجلاً: “لا أعرف”.
فاستطرد يسوع بلطف: “حاول من جديد”. ثم عندما رآني أتخبط بحثاً عن جواب، قال لي مُبتسماً: “لأعمّدها”.
فرحت أتساءل عن معنى معمودية فاطمة. هذا اسم ابنة النبي محمد. فهل يعني هذا معمودية الإسلام؟

“فاطمة”هي قرية في البرتغال ظهرت فيها السيدة العذراء المباركة يوم 13 أيار (مايو) سنة 1917 لتعطي رسالة مهمة طلبت من الفاتيكان إذاعتها سنة 1960، لكنها بقيت مطموسة حتى اليوم. إن “سر فاطمة” الذي لم يكشفه البابوات، و “سر الرؤيا” هما نفسهما. في صيف سنة 2000، زعم البابا يوحنا بولس الثاني كشف محتوى هذا السر، لكن ما تم “كشفه” لم يكن بالتأكيد ليقنع أحداً من البصراء.
“فاطمة” هو اسم عربي، أطلقه على هذه البلدة أحد أمراء تلك المقاطعة، السيد “غنصالو هرمنغيس” (Gonzalo Hermingues) في القرن الثاني عشر للميلاد. ففي سنة 1158 كانت البلاد لا تزال في يد العرب، والحرب محتدمة بين الفاتحين وأهلها. في غارة شنها الأمير غنصالو، وقعت في أسره آنسة كريمة اسمها “فاطمة” بنت والي قصر “ذوشال”. التمس الأمير من ملكه “ألفنسو هنريكس” يد الأسيرة. فقبل الملك شرط أن تعتنق الأميرة الدين المسيحي. رضيت هذه الأخيرة وتعمّدت، لكنها توفيت بعيد زفافها، فزهد قرينها وانضوى في دير وأطلق اسم زوجته الراحلة على هذه البلدة التي ظهرت فيها أم الفادي الشريفة بعد سبعة قرون ونصف قرن. “فاطمة” هو أيضاً اسم ابنة النبي محمد، سيدتنا فاطمة الزهراء المُكرمة في العالم الإسلامي عامةً والشيعي خاصةً، الذي يعتبرها “أم الشيعة”، وهي قرينة علي عليه السلام أب الشيعة. فاطمة تمثل إذاً المسلمين الأوفياء، والشيعة خاصةً، المباركين من الله لأجل كفاحهم الشرعي ضد الوحش، عدو المسيح. لذلك يعتبر السيد المسيح هذا الكفاح جهاداً مقدساً وبمثابة معمودية خلاص. ظهرت أمنا مريم في بلدة فاطمة لتعلن أمام العالم بأجمعه أن الجهاد الإسلامي ضد الوحش هو جهاد مبارك من السماء. على المسيحيين أيضاً أن يمرّوا بهذه المعمودية إن أرادوا الخلاص.

بعد ذلك، ظهرت لي العذراء مريم لتقول لي: “يا ماما، جيب لي إياهم من القرآن”. وهذا ما دفعني لكتابة “نظرة إيمان بالقرآن الكريم” بعد تلك الرؤيا بعشر سنوات.

في يوم 12 أيار (مايو) 1970، ظهر لي يسوع على باب شرفة غرفتي في بيروت وأنا في مضجعي. كان واقفاً عاري الصدر، شامخ الرأس، يُحدّق نحو الجنوب، ثم قال بغضب باللغة العربية:
“لن أصمت عن إذاعة فظائعك، يا إسرائيل”.


رؤيا يسوع

في 13 أيار (مايو) 1970، كشف لي يسوع أخيراً سر كتاب الرؤيا كالتالي: استيقظت عند الفجر، ورأيته كرجل من نور منحوت في مرمر أبيض مشع يقف بجانب فراشي. كان ينبعث منه سلام عميق وطمأنينة، و قدرة لا تقهر .
قال لي، وكأنه من خلالي يخاطب العالم بأجمعه:
“اليوم الثالث عشر من أيار (مايو)، ذكرى ظهور السيدة العذراء في فاطمة (عام 1917).
إفتح الفصل الثالث عشر من كتاب الرؤيا: الوحش هو إسرائيل!”.
وتوارى على الفور حالما سلّمني مفتاح أسرار رؤيا يوحنا. كنت لوحدي، وحيداً أمام هذا الكشف المروع؛ خصوصاً وأني كنت آنذاك من مؤيدي إسرائيل.

“الوحش هو إسرائيل”؟!… يا إلهي، يا لها من كلمات!!

وبينما كان يسوع يخاطبني، حاول ضجيج جهنمي تشويش كلماته التي كانت على الرغم من ذلك تخترق أذني مثل الهمس. إلا أن هذا التدخل الشيطاني توقف فجأةً وسمعت هذه الكلمات بوضوح تام: “إفتح الفصل الثالث عشر من كتاب الرؤيا: الوحش هو إسرائيل”. لم تدُم هذه الرؤيا أكثر من نحو دقيقة، لكنها قلبت حياتي رأساً على عقب… كما انقلبت في الماضي حياة بولس الرسول وهو في طريقه إلى الشام (أعمال 9).
بعد هذه الرؤيا، نهضت منذهلاً وفتحت الكتاب المقدس على الفصل الثالث عشر من رؤيا يوحنا آملاً أن لا أجد أي وحش، لا سيما وأنني كنت متعاطفاً مع إسرائيل، إذ كنت أعتبرها مخلّصة المسيحيين من المسلمين.

صُدمت عندما وجدت بالفعل “وحشاً له سبعة رؤوس وعشرة قرون”. “أعطاه التنين (الشيطان) قدرته وعرشه وسلطاناً واسعاً. وظهر أحد رؤوس الوحش كأنه مجروح حتى الموت فشفي من جرحه المميت، فتعجبت الأرض كلها وسارت وراء الوحش. وسجد الناس للتنين لأنه أعطى الوحش سلطانه، وسجدوا للوحش وقالوا: من مثل الوحش؟ ومن يقدر أن يحاربه؟” (رؤيا 13، 3 – 4). لم يقاوم هذا الوحش إلا المصطفون “المكتوبة أسماؤهم منذ بدء العالم في كتاب الحياة (الأبدية)، كتاب الحمل (يسوع) الذبيح (المصلوب)” (رؤيا 13، 8). وعيت بعد قراءة هذه الآيات، أن إسرائيل تملك فعلاً هذا “السلطان الواسع”، وأن “الجرح المميت” الذي أصيب به “الوحش” ينطبق تماماً على خراب إسرائيل سنة 70 م، وبالطبع على جريمة هتلر ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وأن معظم الناس، وكنت أنا من بينهم حينئذٍ، منجرفون وراء الخدعة الإسرائيلية ظناً منهم أن لا أحد “يقدر أن يحارب” هذا الكيان. أبناء فاطمة وحدهم يقاومون هذا الوحش.

تقدمت في قراءة الفصل الثالث عشر، ووصلت إلى حيث رأى يوحنا “وحشاً آخر” في خدمة الوحش الأول “حمل الأرض وسكانها على السجود (الاستسلام) للوحش الأول الذي شفي من جرحه المميت… فلا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا إذا كان عليه سمة باسم الوحش (خاضعاً له)” (رؤيا 13، 11 – 17). فاستخلصت ما يلي: بما أن الوحش الأول هو إسرائيل، فالوحش الثاني الذي يدعم الأول هو قطعاً الولايات المتحدة الأميريكية التي تدعم إسرائيل وتثبت سيطرتها في العالم، وفي الشرق الأوسط خاصةً. وفهمت عندئذٍ من هم “الأعداء الكثيرون الذين سيجلبهم علي هذا السر”، ومن هم “الشعوب والأمم والألسنة والملوك الكثيرون الذين علي أن أتنبأ عليهم من جديد”. وأن كلمة “من جديد” وردت في وحي “الرؤيا” لأن هذا التنبؤ قد توقف، فلا بد من التنبؤ “من جديد” ضد “الوحش” وحلفائه كما فعل الأنبياء والمسيح في الماضي (راجع على سبيل المثال إشعيا 1، 2 – 4 / إرميا 2، 26 – 37 / ميخا 3، 9 – 12 / متى 23، 33 – 37 / يوحنا 8، 44).


الوحش الثاني في خدمة الوحش الأول

أمام هذه التفاصيل، وقفت مصدوماً لأنني شعرت بحقيقة الرسالة وأهميتها. اعتراني الخوف ورحت أفكر: “لماذا أنا الذي أتلقّى كل هذا؟ إنني عاجز أمام هكذا أعداء!”. بعد هذه الرؤيا وهذه القراءة شعرت نفسي وحيداً في عالم من الصمت. وقعت تحت تأثير جدية الموقف. فشعرت بحاجة ملحة للصلاة، فصليت كثيراً وعميقاً، مُستنجداً بالمولى.

تملكتني من ثم حرب من الأفكار، فقلت في نفسي: أنا كاهن، لذلك ليس من شأني أن أهتم بالسياسة. لكن، من جهة أخرى، وعيت أن الواقع الإسرائيلي ليس سياسياً فحسب، فإسرائيل ترفض الاعتراف بيسوع كمسيح، وأنه على الرغم من إعلان فسخ العهد الأول (إرميا 32، 31 – 33)، فإن إسرائيل ما زالت تدّعي أن لها حق إلهي على فلسطين، بذريعة أنها أرض الميعاد لليهود.

فهمت عندئذٍ أن الاعتراف بأي حق لإسرائيل على فلسطين يعني خيانة يسوع، وشهادة زور على رسالته الروحية والعالمية. للمشكلة إذاً بعد روحي. ويجب التحلي بالحكمة والتمييز للتعرف على الوحش: “وهنا لا بد من الحكمة. من كان ذكياً فليحسب عدد اسم الوحش، هو عدد اسم إنسان وعدده 666″ (رؤيا 13، 18).

كل هذه الأفكار أربكتني كثيراً نظراً للتيار المعاكس القوي والخطير الذي سيكون علي أن أواجهه. فهمت عندئذٍ أن هذا هو السر الذي أراد يسوع أن يكشفه لي، والذي سيجلب علي أعداءً كثيرين. سمعته عندئذٍ في قلبي يسألني من جديد: “ألأجلي تقبل؟” فأكدت موافقتي، واعياً هذه المرة لماذا “لابد أن أتنبأ من جديد على كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك”.

المحيطون بي الذين صارحتهم بالأمر، بمن فيهم عائلتي على وجه الخصوص، وقفوا ضدي. أكد لي موقفهم هذا تحذيرات يسوع وجعلني أتأمل بما قاله لتلاميذه: “ويكون أعداء الإنسان أهل بيته” (متى 10، 36).

كنت أجهل أن هذه المصاعب ليست إلا بداية حرب طويلة. فقد اشتدت مشاعر الكراهية نحوي عندما أعلنت ما قاله لي يسوع بالعربية يوم 15 أيار 1970:
“إياك أن تُلطخ يدك بدم الفلسطيني: فأنا وهو واحد؛ أنا المنبوذ مثله من الإسرائيليين”.
ثم جذب وجه رجل نحو وجهه وقال لي: “ألا ترى وجه الشبه؟”. وبالفعل كان الوجهان متشابهين تماماً.

انكبيت منذئذٍ على قراءة كتاب الرؤيا باهتمام كبير متزوداً بهذا النور الجديد. فبقدر ما كنت أتقدم بقراءته المتكررة، بقدر ما أخذت الرموز الغامضة تتوضح لي الواحدة بعد الأخرى. ودهشت كذلك عندما فهمت أن اسم يسوع الجديد هو “فلسطين”. لقد قال يسوع في كتاب الرؤيا: “سأجعل الغالب عموداً في هيكل إلهي… وأنقش فيه اسم إلهي… اسمي الجديد” (رؤيا 3، 12). وهذا الإسم الجديد هو حجر عثرة أمام “كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك”، بمن فيهم كثير من رؤساء الدين المسيحيين.

في يوم أحد العنصرة من العام نفسه، الواقع في 17 أيار، دُعيت من قبل بعض أعضاء رعيتي الفلسطينيين إلى معرض الرسام الفلسطيني إسماعيل شموط. قبلت الدعوة كخطوة أولى في العالم الفلسطيني الذي كنت أجهله كلياً آنذاك. هناك تأثرت كثيراً بإحدى اللوحات: فدائي فلسطيني ذو وجه يشع الفخر والقوة، عاري الصدر، عريض الكتفين، نظره يشع الطهارة والعدل، واقف بكل عزة وغضب، يداه مقيدتان وراء ظهره، والنور ينعكس على وجهه وصدره، محاط بجنود إسرائيليين، واقفين حوله في الظل، موجهين أسلحتهم نحوه بخوف، ومنظرهم حقير وخسيس.


الفدائي الفلسطيني – إسماعيل شموط

هذه اللوحة مليئة بالتناقضات: إنه أسير، لكنه المنتصر. يظن الإسرائيليون أنهم منتصرون لكنهم في الحقيقة مهزومون؛ إنه القاضي، وهم المدانون. حدقت طويلاً في ذلك الرجل: إنه وجه يسوع الذي رأيته على شرفتي ينظر بغضب نحو الجنوب، متوعداً إسرائيل. إنه أيضاً الوجه نفسه الذي رأيته منذ يومين بالقرب من وجه يسوع ومطابقاً له. وعلى الفور، سمعت صوت المعلم السماوي يقول لي:
“وهكذا وقفت، أنا أيضا، أمام الكاهن الأكبر، عندما سألني متحدياً، إن كنت فعلاً المسيح، ابن الله.
فكان جوابي بالإيجاب، بكل قوة وتأكيد، كما في هذه اللوحة. فاحمر وجهه غضباً وحكم علي بالموت صلباً”.

أردت على الفور أن أحصل على مزيد من التفاصيل عن هذه اللوحة. فقال لي الرسام: “هذا الرجل يمثّل محمود حجازي، أول فدائي حُكم عليه بالسجن. ولا يزال في السجون الإسرائيلية بفلسطين حتى اليوم”.

بعد مرور سنتين، حظيت بمقابلة محمود الذي كان قد أفرج عنه. فتعانقنا بحرارة كما عانقني يسوع عندما قبلت أن يعلن لي السر الذي سيجلب علي الكثير من الأعداء.

عاد يسوع من جديد في 20 أيار (مايو) 1970 ليقول لي:
“نعم، إن الفلسطيني هو حجر عثرة”.

حتى ذلك الوقت، كنت غير مبال بمأساة الشعب الفلسطيني؛ لكن بعدما استيقظ انتباهي حاولت أن أتعرف عن كثب على هذا الشعب لأفهم مغزى صراخه المفجع. فتعلمت أن أحبه كما هو، من جراء الظلم الفاحش الذي كان يتعرض له، والذي أصابه كما أصاب المسيح من قبله.

مبادرات إلهية كثيرة جعلتني أستوعب رسالة كتاب الرؤيا، هذه الرسالة الملقاة على عاتقي والتي أنا مدعو اليوم لنشرها. ما ذكرته هنا يكفي لإقناع أصحاب النوايا الحسنة. كما آمل أن أكون قد ساهمت بجعل القارىء يفهم الواقع روحياً كما أعلنه لي يسوع، لا أن يفهمه سياسياً وفقاً لمنطق الناس ووسائل الإعلام العميلة المتآمرة مع “الوحش”.

هكذا سلّمني يسوع مفتاح سفر الرؤيا. إنني مدعو اليوم لتفسير هذا “الكتاب الصغير” الذي بقي غامضاً على مدى تسعة عشر قرناً. فكما يقول كتاب الرؤيا، لا بد من الحكمة والذكاء (رؤيا 13، 18) لقبول هذا الكشف الإلهي الواضح والصريح. لا بد لنا أيضاً من أن نتحلى بالإيمان والحق والعدل والشجاعة لنقاوم التيار السياسي العالمي المؤيد لإسرائيل و “لنشهد من جديد ضد كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك”.

إننا من خلال هذا “المفتاح”، يمكننا فض أختام الكتاب الصغير السبعة وفهم كل رموزه. بما أن الزمن الذي تنبأ به كتاب الرؤيا قد حان، لذلك كشف يسوع سره لينقذ أصحاب النوايا الحسنة – من كل عرق ودين – واليهود أنفسهم، من السحر الإسرائيلي.

علينا في النهاية أن نسلط الضوء على نقطتين مهمتين سيعترف بهما الجميع عاجلاً أم آجلاً:

  1. إن كتاب رؤيا يوحنا، هذا الكتاب الغامض، لم يُعطى لنا ليبقى غامضاً فلا تكون له بالتالي فائدة عملية لخلاصنا.
  2. إن تفسير هذا الكتاب الصغير المقدس لا يمكن أن ينتج عن مجهود محض بشري. فمن غير الممكن التوصل إلى فهم رموزه إلا من خلال كشف إلهي كما شرحنا سابقاً (رؤيا 5، 1 – 5).

لذلك لا أريد أن أبدو كأحد الذين يقدمون تفسيراً شخصياً آخر لكتاب الرؤيا. فقد طلب مني المسيح أن أكون مبلّغاً وشاهداً مخلصاً لوحي إلهي.

أخيراًَ، لقد قال لي يسوع ما قاله سابقاً للنبي حزقيال:

“قم واعلن هذا الكلام لشعبي. سواء سمعوا أو لم يسمعوا، أنت تكلّم” (حزقيال 2).

تقدمة الكتاب

سفر أو كتاب الرؤيا كتبه الرسول يوحنا باللغة اليونانية. يبدأ بكلمة “أبوكاليبس” (Apocalypse)، التي تعني “كشف” أو “فضح”. وهي مشتقة من كلمة “Calypse” التي تعني تغطية. فكلمة Apo-Calypse تعني رفع الغطاء لكشف ما هو تحته. المقصود هنا هو إسقاط القناع عن هوية المسيح الدجال وفضحه.

يضم كتاب الرؤيا مجموعة نبوءات عن عودة ظهور إسرائيل في فلسطين إلى حين سقوطها النهائي، ولن يعود هذا الكيان إلى الوجود من بعد، فهذه آخر أزمنته، وهذا ما كان يعنيه يسوع عندما حدث تلاميذه عن “آخر الأزمنة الوثنية” (لوقا 21، 24) قاصداً آخر الأزمنة المسموحة لأعدائه (اليهود الذين يرفضونه)، المعروفون بـ “المسيح الدجال”، والذين يعتبرهم القديس بولس “سر المعصية الآخذ في العمل” (تسالونيكي الثانية 2، 7). لقد كشف يسوع سفر رؤيا يوحنا من أجل إحاطة شعبه علماً بما سيحدث في المستقبل. “شعبه، اليوم، هم المؤمنون برسالة الرؤيا”. هكذا يبتدئ هذا الكتاب:

“كشف (أو Apocalypse: إسقاط القناع) يسوع المسيح. هذا ما أعلنه يسوع المسيح بهبة من الله ليكشف لعباده (المؤمنين) ما لا بد من حدوثه عاجلاً، فأرسل (يسوع) ملاكه (رسوله) ليخبر به خادمه يوحنا… طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون هذه الأقوال النبوية، وهنيئاً للذين يعملون بها، لأن الساعة اقتربت” (رؤيا 1، 1 – 3).

في سنة 95م نُفي القديس يوحنا، كاتب سفر الرؤيا، إلى جزيرة “بطمس” مع مسيحيين كثيرين على يد الامبراطور “دوميسيانوس”. على هذه الجزيرة شاهد رؤاه العديدة التي دونها في كتاب الرؤيا، فيقول:

“أنا يوحنا… كنت في جزيرة بطمس (منفياً) من أجل كلمة الله وشهادة يسوع” (رؤيا 1، 9).

يعلن يوحنا مرتين أن المسيح أمَرَه بكتابة رؤاه: “أكتب ما تراه في كتاب وأرسله إلى الكنائس السبع” (رؤيا 1، 11). “أكتب ما رأيت، ما يكون الآن، وما سيكون من بعد” (رؤيا 1، 19). الكتاب الذي كتبه يوحنا وأرسله إلى الكنائس السبع هو كتاب الرؤيا. لا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب يتطرق إلى زمنين: “ما يكون الآن، وما سيكون من بعد”. الفترة الزمنية الثانية تشير إلى زمن مستقبلي معين، أي زمننا.

لذلك نجد أن هذا الكتاب المكون من 22 فصلاً ينقسم إلى جزئين منفصلين: الجزء الأول من يتناول الزمن الذي عاش فيه يوحنا، وهو “ما يكون الآن”، والجزء الثاني يشير إلى زمن مستقبلي معين، “ما سيكون من بعد”. إن رسالة الرسول الرؤيوي الثاني، ملاك سفر الرؤيا (رؤيا 10، 1 – 2)، محددة: تفسير النبوءات الواردة في هذا الكتاب المتعلقة بالزمن الثاني، المستقبل الذي أصبح اليوم حاضراً معاصراً لجيل القرن العشرين بعد الميلاد.

الجزء الأول

يتكوّن من ثلاثة فصول، وموجّه إلى الكنائس السبع التي أسسها يوحنا في آسيا الصغرى (تركيا). تحث هذه الفصول على الإيمان والمثابرة، رغم الاضطهادات، لنيل إكليل المجد من السيد يسوع المسيح.

نجد في هذا الجزء الأول، خلافاً للجزء الثاني، أسلوباً واضحاً ومنظماً، وتتابعاً منطقياً متسلسلاً مفهوماً في معظمه. لذلك لن نركز على هذه الفصول الثلاثة الأولى لأنها ليست هدف دراستنا.

الجزء الثاني

يمتد هذا الجزء من الفصل الرابع إلى الفصل الثاني والعشرين والأخير. ويتميز كلياً عن الجزء الأول ويبدأ بقول يوحنا: “ثم رأيت باباً مفتوحاً في السماء، وسمعت الصوت الأول الذي خاطبني من قبل… يقول اصعد إلى هنا لأريك ما لا بد من حدوثه بعد ذلك” (رؤيا 4، 1). المقصود بذلك، طبعاً، الأحداث المستقبلية المشار إليها سابقاً في رؤيا 1، 19.

يظن بعض المفسّرين أن فصول هذا الجزء الثاني، مثل فصول الجزء الأول، تنطبق هي أيضاً على كل زمان ومكان، وترمز إلى الصراع ضد الشر بشكل عام. هذا ليس صحيحاً، لأن الله يشير إلى زمن معيّن ولاحق، بعد يوحنا، وإلى مكان محدد، وهو فلسطين، كما تدل على ذلك اللآيات التالية:

زمن معيّن ومكان محدد

“هذا ما أعلنه يسوع المسيح بهبة من الله ليكشف لعباده ما لا بد من حدوثه عاجلاً” (رؤيا 1، 1).
“فاكتب ما رأيت، وما يكون الآن، وما سيكون بعد ذلك (عودة الوحش)” (رؤيا 1، 19).
“اصعد إلى هنا لأريك ما لا بد من حدوثه بعد ذلك (عودة الوحش أيضاً)” (رؤيا 4، 1).
“ثم رأيت ملاكاً (يسوع)… بيده سلسلة عظيمة. فأمسك التنين، تلك الحية القديمة، أي إبليس أو الشيطان، وقيده لألف سنة. وطرحه في الهاوية، وأقفلها عليه وختمها… حتى تتم الألف السنة. ولا بد من إطلاقه بعد ذلك لوقت قليل” (رؤيا 20، 1 – 3). ويستطرد يوحنا في الفصل نفسه قائلاً: “ومتى تمت الألف السنة، يُطلق الشيطان من سجنه، فيخرج ليضلل الأمم (اليهود المنتشرين في الأمم)” (رؤيا 20، 7).
“والوحش الذي رأيته كان (في الماضي) وما عاد كائناً (في الوقت الذي كتب فيه يوحنا رؤاه). سيصعد بعد قليل من الهاوية ويمضي إلى الهلاك” (رؤيا 17، 8).

نلاحظ ثلاث نقاط مهمة في هذه الآية الأخيرة:

  1. هذا “الوحش” كان موجوداً في الماضي قبل سنة 95م، قبل كتابة سفر الرؤيا. وهذا لا ينطبق على الشيوعية، ولا على الإسلام، ولا على هتلر، ولا على الأسلحة النووية.
  2. لم يعد “الوحش” موجوداً في سنة 95م، في زمن يوحنا (ما عاد كائناً). فلا يمكننا إذاً أن نقول إنه يرمز إلى الشر بشكل عام، لأن الشر موجود في كل زمان ومكان، ولا إلى الإمبراطورية الرومانية، كما يدعي بعض المفسّرين، لأنها كانت لا تزال موجودة سنة 95م.
  3. سيعود الوحش إلى الوجود في المستقبل، بعد يوحنا،“صاعدا من الهاوية بعد قليل”. تتزامن عودته مع عودة إبليس بعد إطلاقه من الهاوية عند انقضاء الألف سنة (رؤيا 20، 7). كلاهما يعودان “من الهاوية” سوياً (رؤيا 11، 7 و 20، 1 – 3).

“ثم رأيت سبعة ملائكة يحملون سبع نكبات، وهي الأخيرة لأن بها يتم غضب الله (ضد الوحش فيضع حداً لوجوده)” (رؤيا 15، 1).
“عشرة ملوك ما ملكوا بعد، لكنهم سيملكون ساعة واحدة مع الوحش” (رؤيا 17، 12).
“الملائكة الأربعة على نهر الفرات المتأهبين للساعة واليوم والشهر والسنة” (رؤيا 9، 15).

يتعلق الأمر بزمان ومكان محددين بدقة. المكان هو نهر الفرات. هذا ينطبق تماماً على الحرب الدولية ضد العراق. فقد هددت الولايات المتحدة الأميريكية وحلفائها الأوروبيين بقيادة جورج بوش الأب (George W. Bush Sr) هذا البلد عام 1990 بالتدخل عسكرياً ضده، محددين مهلة زمنية تنتهي في: منتصف الليل (الساعة)، في 16 (اليوم)، كانون الثاني/يناير (الشهر)، 1991 (السنة). وبالفعل، نُفّذت هذه التهديدات فوراً بعد منتصف ليل اليوم المحدد. هذه الحرب الدولية ضد العراق، الواقع على نهر الفرات، هي علامة لا جدل فيها لكل من يتحلّى بروح النبوءة. إنها الحرب الوحيدة في تاريخ العالم التي حُددت مسبقاً بالساعة واليوم والشهر والسنة (رؤيا 9، 15). إنه البوق الرؤيوي المدوي الذي وحدهم الصم لا يسمعوه.
للإشارة إلى أهمية هذا الحدث، يأتي كتاب الرؤيا على ذكر نهر الفرات مرة ثانية: “وسكب الملاك الثالث كأسه على نهر الفرات الكبير…” (رؤيا 16، 12).
هذه الإشارة الثانية إلى نهر الفرات تنطبق على الحرب الثانية التي شنتها أمريكا وحلفاؤها على العراق الواقع على نهر الفرات يوم 19 مارس (آذار) سنة 2003. هاتان الحربان شنهما رئيسان أميريكيان، أب ثم ابنه، يحملان نفس الاسم: جورج بوش الأب (Georges W.Bush Sr) عام 1991، وجورج بوش الإبن (Georges W.Bush Jr) عام 2003.
الأول، جورج بوش الأب، هو تاسع “الملوك العشرة الذين ما ملكوا بعد مع الوحش” في زمن الرسول يوحنا سنة 95م (رؤيا 17، 12)، (راجع الفصل التالي عن هؤلاء الملوك العشرة).
الثاني، جورج بوش الإبن، حامل اسم أبيه، هو الحادي عشر، لكنه بحسب المنطق النبوئي أحد الملوك العشرة لأنه يتمم ما بدأه أبوه. إنه إذاً أحد هؤلاء الملوك العشرة، تماماً مثلما يعتبر الوحي الإلهي الوحش العائد إلى الوجود ثامن ملوك الوحش السبعة الذين سبقوه، ولكنه أيضاً “أحد هؤلاء السبعة” لأنه يصبو إلى إتمام مخطط الملوك السبعة الرمزيين الذين سبقوه (رؤيا 17، 8- 11)، علماً أن العدد 7 هو رمز للكمال.
تأتي الحرب الثانية على العراق لتتمم النبوءة الثانية الواردة عن نهر الفرات (رؤيا 9، 14 و16، 12). إنها حرب “هرمجدون” (رؤيا 16، 16). كما أن نبوءة مرور “ملوك المشرق” عبر الفرات ستتوضح عندما تتحقق (رؤيا 16، 12).

“الرب الإله مُلهم الأنبياء قد أرسل ملاكه ليكشف لعباده ما لا بد من حدوثه عاجلاً. ها أنا آتٍ سريعاً” (رؤيا 22، 6 – 7).

من الواضح أن هذه الأحداث المُتنبأ بها هي علامات الأزمنة لعودة السيد المسيح. فليسمع من يستطيع أن يسمع!
الآيات الثلاث التالية تشير إلى المغزى والمستوى الروحي للأحداث الزمنية المذكورة رمزياً في كتاب الرؤيا: إنها تدل على الحرب النهائية بين المسيح وخاصته من جهة والمسيح الدجال وأتباعه من جهة أخرى. تدور هذه المعركة الحاسمة في مكان جغرافي محدد، وهذا المكان هو فلسطين، ومدينة القدس (أورشليم) تحديداً:

“الأمم (الوثنيون) سيدوسون المدينة المقدسة (القدس) مدة اثنين وأربعين شهراً” (رؤيا 11، 2).
“حتى يجيء الوحش الصاعد من الهاوية ويصارعهما ويغلبهما ويقتلهما. وتبقى جثتاهما مطروحتين في ساحة المدينة العظيمة…حيث صُلب أيضاً ربهما…” (رؤيا 11، 8).

فقد صُلب يسوع في مدينة القدس، أورشليم.

“ومتى تمت الألف سنة، يُطلق الشيطان من سجنه، فيخرج ليضلل الأمم (رمز الوثنيين) التي في زوايا الأرض الأربع، أي جوج وماجوج، فيجمعهم للقتال وعددهم عدد رمل البحر. فصعدوا على وجه الأرض (فلسطين) وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة (القدس)” (رؤيا 20، 7 – 9).

الوحش هو المسيح الدجال

يتفق جميع مفسّري الكتاب المقدس على أن “الوحش” هو المسيح الدجال الذي تكلم عنه يوحنا، وأيضاً ذاك “العدو” (عدو المسيح، أي المسيح الدجال) الذي تنبأ به بولس (تسالونيكي الثانية 2، 1 – 5). على هذا العدو أن يظهر عشية عودة المسيح: فيقول يوحنا: “من هو الكذاب، إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ هذا هو المسيح الدجال” (يوحنا الأولى 2، 22).

وحدهم الإسرائيليون ينكرون “أن يسوع هو المسيح”، مسيح الله. فالإسلام يصدّق على هذه الحقيقة، والقرآن يعترف، علاوة على ذلك، أن يسوع هو “كلمة الله وروح الله” (قرآن 3؛ آل عمران، 45).

ويقول بولس عن عودة المسيح: “أما مجيء (عودة) ربنا يسوع المسيح… يجب أن يظهر أولاً رجل المعصية، ابن الهلاك، والعدو (المسيح الدجال)… أما تذكرون أني، وأنا بعد عندكم، كنت أقول لكم ذلك مراراً؟ (تسالونيكي الثانية 2، 1 – 5).
يتميز إذاً زمن الأحداث المُتنبأ بها في كتاب الرؤيا بظهور المسيح الدجال في فلسطين، في قلب أورشليم، ليقود الحرب النهائية ضد المسيح، فينتصر المسيح ويزول المسيح الدجال إلى الأبد (رؤيا 17، 8). وهذا يثبت ما أعلنه المسيح لتلاميذه عن آخر الأزمنة، إذ قال لهم: “عندما ترون أورشليم (القدس) تحاصرها الجيوش، فاعلموا حينئذٍ أن خرابها قريب” (لوقا 21، 20). لندرك نحن أيضاً أنها ساعة عودة يسوع.

في مثل شجرة التين، طلب منا يسوع أن نتعرّف على زمن ظهور “الوحش”، الذي يسبق عودته، فيقول:

“خذوا من التينة عبرة، إذا لانت أغصانها وأورقت، علمتم أن الصيف قريب. وكذلك إذا رأيتم هذا كله (ظهور الوحش في فلسطين)، فاعلموا أنه (“ابن الإنسان”، يسوع) قريب، على الأبواب” (متى 24، 32 – 33).

الأمر إذاً في غاية الأهمية: علينا أن نتعرّف على هوية “الوحش” كي ندرك أن ساعة عودة يسوع قد دقّت.

كتاب الرؤيا، كتاب دينونة

كتاب الرؤيا هو كتاب دينونة لأنه يدين الوحش وحلفاءه إلى أبد الدهور (رؤيا 14، 9 – 11)، ويهب الحياة الأبدية لكل من فضحه وحاربه. يقدّم لنا يوحنا الدينونة كالتالي:

“ثم رأيت عرشاً أبيض عظيماً، ورأيت الجالس عليه (الله تعالى)…. وانفتحت الكتب (الكتب المقدسة)، ثم انفتح كتاب آخر (كتاب الرؤيا) هو كتاب الحياة، وعوقب الأموات مثلما في الكتب” (رؤيا 20، 11 – 12).

هؤلاء “الأموات” يمثّلون البشرية جمعاء الغارقة في ظلمات الجهل المميتة، وليس أنفس الذين انتقلوا من هذا العالم إلى عالم الأرواح. فكل الذين، في هذه الدنيا، يسمعون رسالة كتاب الرؤيا، هذا الكتاب المفتوح، المفهوم، ويعملون بموجبه، يعودون إلى الحياة الروحية: “هنيئاً للذي يقرأ وللذين يسمعون هذه الأقوال النبوية، وهنيئاً للذين يعملون بها…” (رؤيا 1، 3). في الماضي، كلّمنا يسوع بنفس الأسلوب قائلاً: “ستجيء ساعة، بل جاءت الآن، يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، وكل من يصغي إليه يحيا” (يوحنا 5، 25). المقصود، بالطبع، هو الحياة الروحية. هذه هي “القيامة الأولى” التي يتكلّم عنها كتاب الرؤيا أيضاً (رؤيا 20، 5). إن هذا “الكتاب الصغير المفتوح” يهب هذه الحياة الروحية الأبدية منذ الآن للذين يسمعونه: “من كان له أذنان، فليسمع ما يقوله الروح” للعالم أجمع (رؤيا 3، 22).

هكذا، إن “الكتاب الآخر” الذي فُتح بعد سائر الكتب، هو كتاب الرؤيا. كان مغلقاً، “مختوماً بسبعة أختام في يد الجالس على العرش” (رؤيا 5، 1). ها هو الآن قد فُتح لتستوعبه عقولنا بعد استيعابنا سائر كتب الوحي، فهو آخر كتب الوحي التي فهمناها. أما اليوم، فيعود يسوع إلى رسله الجدد ليفتح أذهانهم فيفهموا نبوءات الكتب وخصوصاً كتاب الرؤيا، كما فعل أيضاً في الماضي مع رسله الأوائل بعد قيامته ليجعلهم يفهموا ما جاء عنه في نبوءات الكتب المقدسة (لوقا 24، 45).

تجدر الإشارة الى أن “الجالس على العرش الأبيض العظيم” في (رؤيا 20، 11)، لم يعد يحمل بيده ذلك الكتاب الذي كان مغلقاً في الفصل 5، 1. ذلك لأن “الحمل (يسوع) جاء وأخذ الكتاب من يمين الجالس على العرش” (رؤيا 5، 7) ليقدمه مفتوحاً، أي مفسّراً، للملاك المرسل “الذي نزل من السماء وبيده كتاب صغير مفتوح” (رؤيا 10، 2)، كما شرحنا سابقاً في الفصل الأول. هذا الكتاب الصغير المفتوح هو كتاب الرؤيا الصغير بحجمه والعظيم بحكمته.

بدءاً من فتح هذا “الكتاب الصغير” (رؤيا 10، 2) على مصراعيه، بدأت دينونة العالم: الذين تحالفوا مع الوحش، المسيح الدجال، حتى المسيحيين منهم، قد أصبحوا أعداء المسيح؛ أما الذين حاربوا الوحش، ولو كانوا من الوثنيين، فقد أصبحوا في عداد جيش المسيح الروحي. تتحقق هذه الدينونة الإلهية بانتصار يسوع وخاصته وهزيمة الوحش وحلفائه النهائية: “وهذه القرون العشرة… هي عشرة ملوك… هؤلاء اتفقوا على أن يعطوا الوحش قوتهم وسلطانهم. وهم سيحاربون الحمل، والحمل يغلبهم… والذين معه هم المدعوون والمصطفون والمؤمنون (رؤيا 17، 12 – 14)… ورأيت الوحش وملوك الأرض وجيوشهم يتجمعون ليقاتلوا الفارس (المسيح) وجيشه، فوقع الوحش في الأسر مع النبي الكذاب الذي عمل العجائب في حضور الوحش… وألقوا الوحش والنبي الكذاب وهما على قيد الحياة في بحيرة من نار الكبريت الملتهب” (رؤيا 19، 19 – 21).

نلاحظ إذاً وجود مواجهة بين معسكرين: معسكر الوحش ضد معسكر الفارس.
أطراف المعسكر الأول هم: التنين، الوحش والملوك العشر وجيوشهم.

أطراف المعسكر الثاني هم: الفارس، جيشه، المرأة، الشاهدان، والملاك.

في الفصل التالي سنعطي تفاصيل أوفر عن أطراف المعسكرين.

ملخّص القصة

يقدم كتاب الرؤيا أحداثه وأطرافه بأسلوب رمزي وطريقة متشابكة غير منظمة فلا يُفهم مضمونه إلا بعد فتح هذا الكتاب الصغير. هذه هي الأحداث وأطرافها باقتضاب:

الأطراف المتحالفة مع المسيح الدجال

الشيطان

عند مجيئه الأول، قيد يسوع الشيطان:

“اليوم دينونة هذا العالم، واليوم يُطرد سيد هذا العالم (الشيطان)”، قال يسوع (يوحنا 12، 31).

تنبأ كتاب الرؤيا بإطلاق سراح الشيطان بعد “ألف سنة” رمزية:

“ثم رأيت ملاكاً (يسوع) نازلاً من السماء… فأمسك التنين، تلك الحية القديمة، أي إبليس أو الشيطان، وقيّده لألف سنة… ومتى تمّت الألف سنة، يُطلق الشيطان من سجنه، فيخرج ليضلل الأمم التي في زوايا الأرض الأربع، أي جوج وماجوج، فجمعهم للقتال، وعددهم عدد رمل البحر… وأحاطوا بمعسكر القديسين والمدينة المحبوبة” (رؤيا 20، 1 – 9).

بعد أن قيّد يسوع الشيطان، أتى المسيح الدجال، وحش الرؤيا، ورمزه نجمة داود، وحرره من الجحيم:

“ونفخ الملاك الخامس في بوقه، فرأيت نجماً سقط من السماء إلى الأرض (سقوط الوحش) فأُعطي مفتاح بئر الهاوية (الجحيم). وفتح النجم بئر الهاوية، فتصاعد منها دخان كأنه دخان أتون عظيم، فأظلمت الشمس والجو من دخان البئر” (رؤيا 9، 1 – 2).

المقصود هنا، بالطبع، شمس العدالة والحقيقة. إنه النور الروحي الذي ينطفئ على الأرض مع ظهور النجمة والشيطان، لذلك “أظلمت الشمس” (رؤيا 6، 12 و متى 24، 29). التواطؤ كامل متكامل بين الشيطان والمسيح الدجال. يحرر هذا الأخير الشيطان الذي بدوره يعيده إلى “أرض الميعاد”. لقد رفض المسيح التعامل مع إبليس، في حين أن المسيح الدجال سعى إلى التعامل معه. هكذا تكوّنت الزمرة الشيطانية مدعومة من “الوحش الثاني” بهدف غرس الوحش الأول في فلسطين لتأسيس مملكة صهيونية، خلافاً لإرادة الله الواضحة (راجع صموئيل الأول 8 ونص “مأساة يسوع”).

الوحش

في الماضي كان هناك “وحش” (رمز دولة معينة) قد اختفى، ولم يكن موجوداً عندما كتب يوحنا الرسول كتابه سنة 95م. رأى يوحنا هذا “الوحش” يعود بقوة في المستقبل، إنما لفترة قصيرة، يذهب من بعدها إلى الهلاك الأبدي:

“ورأيت وحشاً خارجاًً من البحر، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، على قرونه عشرة تيجان (رؤيا 13،1)… وعدده 666… (رؤيا 13، 18)… هذا الوحش كان (في الماضي قبل 95م) وما عاد كائناً (سنة 95م سيصعد بعد قليل (من جديد) من الهاوية ويمضي إلى الهلاك” (رؤيا 17، 8).

إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي كانت موجودة في الماضي (قبل سنة 95م) كمملكة، دمرها تيطس سنة 70م، فلم يعد لها وجود سنة 95م.

في عهد الملك سليمان كان النفوذ الإسرائيلي في أوجه، فأصبحت الإمبراطورية السليمانية الشهيرة. يقول الكتاب المقدس إن الذهب الذي كان يدخل سنوياً إلى صناديق سليمان كان 666 وزنة أي حوالي 17 طناً من الذهب (الملوك الأول 10، 14 / أخبار الأيام الثاني 9، 13). لاكتشاف هوية الوحش يجب مقارنة عدده 666 بوزن الذهب الذي كان يتدفق إلى خزينة سليمان: 666 وزنة. فهدف الوحش وهاجسه بعد عودته هو إعادة الإمبراطورية السليمانية، إسرائيل الكبرى، والهيمنة الصهيونية التي يرمز إليها كتاب الرؤيا بالعدد 666. تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد هو “عدد إنسان” (رؤيا 13، 8). ما يعني أن هذا العدد يرمز إلى جماعة بشرية.


666، رمز الوحش وإسرائيل الكبرى

في سنة 786 ق.م، قضى الملك البابلي نبوخذنصر، مرة أولى، على المملكة اليهودية. أعاد الرومان تأسيس هذه المملكة سنة 47 ق.م ونصّبوا هيرودس الكبير ملكاً عليها. تنبأ يسوع لرسله بالنهاية القريبة لهذه المملكة الثانية. فعندما لحقوا به وأشاروا إلى عظمة بناء الهيكل أجابهم يسوع: “أترون هذا كله؟ الحق أقول لكم: لن يُترك هنا حجر على حجر، بل يُهدم كله” (متى 24، 1 – 2). فالرومان الذين أعادوا إقامة المملكة اليهودية، هم الذين وضعوا حداً لها مرة ثانية بعد مئة عام، فهدم القائد الروماني “تيطس” أورشليم وهيكل سليمان الثاني سنة 70م. كان هذا القائد يجهل أنه ينفذ نبوءة السيد المسيح. يُعلن سفر الرؤيا عن عودة هذا الوحش مرة ثالثة، إنما ليذهب هذه المرة إلى الهلاك الأبدي “ولن يوجد من بعد أبداً” (رؤيا 18، 21 / 19، 19 – 21).

قدرة الوحش

عند ظهوره الثالث، يعود الوحش إلى العالم مسلّحاً، بسلطان عظيم، ومدعوماً من “التنين” ومن حليفه “الوحش الآخر” (رؤيا 13، 11)

“فأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً واسعاً” (رؤيا 13، 2).

تجدر الإشارة هنا إلى أن الشيطان هو الذي يدعم الوحش – وليس الله – وأنه هو الذي يحشد جماعته من “زوايا الأرض الأربع” في فلسطين، في قلب القدس (رؤيا 20، 7 – 8).

“ثم رأيت وحشاً آخر خارجاً من الأرض… فمارس كل سلطة الوحش الأول بمحضر منه، فحمل الأرض وسكانها على السجود للوحش الأول” (رؤيا 13، 11 – 17).

“جرح” الوحش

كان الوحش مصاباً بجرح مميت في رأسه لكنه شُفي منه: “ورأيت أحد رؤوس الوحش كأنه مجروح حتى الموت فشفي من جرحه المميت” (رؤيا 13، 3).

يرمز هذا الجرح المميت إلى تدمير إسرائيل مرتين في الماضي، بالإضافة أيضاً إلى جريمة هتلر. استعمل النبي إرميا هذه العبارة عندما دمر نبوخذنصر أورشليم:

“لتسل عيناي بالدموع ليلاً ونهاراً بغير انقطاع، لأن العذراء بنت شعبي أُصيبت بجرحٍ بليغ” (إرميا 14، 17).

شُفي الوحش من جرحه المميت، وظهر ثانية بمجدٍ وقوة وإغراء، مدعوماً بقوة من حليفيه: “التنين” و “الوحش الثاني”. والعالم ينظر بإعجاب إلى “قيامة” إسرائيل.

قوة الوحش في التضليل

العالم بأسره يتعجب أمام هذا الوحش العائد بقوة ومجد. والجميع متفقون أن لا أحداً يستطيع محاربته:

“فتعجبت الأرض كلها وسارت وراء الوحش. وسجد الناس للتنين لأنه أعطى الوحش سلطانه، وسجدوا للوحش قائلين: من مثل الوحش؟ ومن يقدر أن يحاربه؟ (رؤيا 13، 3 – 4)… وسيتعجب سكان الأرض الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة عندما يرون الوحش” (رؤيا 17، 8).

بالفعل، لا يتجرأ ولا يدّعي أحد الانتصار على دولة إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة. إن قدرة هذه الدولة الصغيرة تمتد إلى مجالات حيوية عديدة ومهمة (عسكرية، انتخابية، اجتماعية، إعلامية، إقتصادية، “اللوبي” أو الكواليس السياسية العالمية… إلخ). كل هذا يمنح إسرائيل سلطاناً عالمياً يجهض كل محاولة ضدها. فالعالم، شاء أم أبى، مضطر إلى تطبيق السياسة الإسرائيلية. حتى الفاتيكان، لم ولن يتجرأ على مقاومتها، ولا أن يشهد للمسيح أمامها. لا يمكن لأحد اليوم أن يتوقع مصير إسرائيل المأساوي الذي تنبأ به كتاب الرؤيا.

مدة بقاء الوحش وسقوطه

أعطي للوحش أن يغلب لمدة رمزية وقدرها “اثنين وأربعين شهراً”، وأن يستوطن خلالها على امتداد أرض فلسطين بوسائل حربية، وباحتلال أورشليم قبل زواله الغير متوقّع:

“سيدوس الوثنيون (جماعة الوحش) المدينة المقدسة (القدس) لمدة اثنين وأربعين شهراً” (رؤيا 11، 2).

نُعِتوا بـ “الوثنيين” بسبب رفضهم يسوع المسيح.

“ومتى تمت الألف السنة، يُطلق الشيطان من سجنه، فيخرج ليضلل الأمم (الوثنيون الوارد ذكرهم) التي في زوايا الأرض الأربع، أي جوج وماجوج (رمز الوثنية)، فيجمعهم للقتال ( لا للسلم: “شالوم”)… فصعدوا على وجه الأرض (المستعمرات اليهودية في فلسطين)، وأحاطوا بالمدينة المحبوبة (القدس) فنزلت نار من السماء وتأكلهم” (رؤيا 20، 7 – 9).

إن اليهود الصهاينة، اليهود المزعومون، ومجمع الشيطان، كما يصفهم يسوع في رؤيا 2، 9 / 3، 9، جاؤوا من زوايا الأرض الأربع إلى فلسطين مخدوعين من الشيطان لا مُقتادين بالله، هرعوا إليها “مضللين” بوهم “أرض الميعاد”، فأقاموا فيها مستوطناتهم بالحرب لا بالسلم، واحتلّوا أورشليم ليعلنوها عاصمة لهم. لقد رأى يوحنا هذا الخراب المؤكد والمفاجئ لدولة إسرائيل على شكل “نار تنزل من السماء وتأكلهم”.

الوحش الآخر (الملوك العشرة)

بعد الوحش الأول، رأى يوحنا وحشاً آخر يدعم الأول ويفرضه على العالم بشتى الوسائل العسكرية والاقتصادية. يُعرف الوحش الثاني بـ “النبي الكذاب” لأنه ينطق لصالح الوحش الأول ويتنبأ كذباً بانتصاراته (فالنبوءة الحقيقية هي عكس ذلك إذ أن الوحش ذاهب إلى الهلاك). هذا الوحش الثاني مُمثل أيضاً بـ “القرون العشرة” التي على رؤوس الوحش الأول والتي ترمز إلى “الملوك العشرة” الذين في خدمته:

“ثم رأيت وحشاً آخر… في خدمة الوحش الأول، يُثبّت كل سلطانه ويحمل الأرض وسكانها على السجود للوحش الأول الذي شفي من جرحه المميت… ويقتل كل من لا يسجد لصورة الوحش. وصنع معجزات عظيمة… فلا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا إذا كان عليه سمة الوحش” (رؤيا 13، 11 – 17).

“هذه القرون العشرة التي تراها هي عشرة ملوك ما ملكوا بعد، لكن سيملكون ساعة واحدة مع الوحش، هؤلاء اتفقوا على رأي واحد: أن يعطوا الوحش قوتهم وسلطانهم” (رؤيا 13، 1 / 17، 3 / 17، 12 – 13).

“فوقع الوحش في الأسر مع النبي الكذاب الذي صنع العجائب في حضور الوحش” (رؤيا 19، 20) … “وألقي إبليس الذي ضللهم في بحيرة النار والكبريت المشتعلة حيث كان الوحش والنبي الكذاب” (رؤيا 20، 10).

نشير إلى أن هؤلاء “الملوك العشرة” يظهرون في نفس الوقت مع الوحش ولخدمته. إن الدعم التام التي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل يكشف هوية الوحش الثاني والملوك العشرة. هؤلاء الملوك هم الرؤساء الأمريكيون العشرة الذين حكموا بلادهم منذ تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948، أي بدءاً بالرئيس “ترومان” وانتهاءً بالرئيس “كلينتون” العاشر. والملوك العشرة هم: ترومان – أيزنهاور – كينيدي – جونسون – نيكسون – فورد – كارتر – ريغن – جورج بوش الأب وكلينتون.

أمّا جورج بوش الابن فهو الحادي عشر، لكنه واحد من الملوك العشرة السابقين، إذ أنه يتمم مخطط والده – الحامل نفس الإسم – المذكور ضمن الملوك العشرة.

هناك تفسير آخر وهو عدم حساب الرئيس كينيدي من ضمن الملوك العشر لأنه اغتيل دون أن يكمل ولايته (1961 – 1963) التي أكملها الرئيس جونسون. على ذلك، يكون جورج بوش الابن هو بالفعل الملك العاشر.

بدون دعم ملوك الولايات المتحدة الأمريكية العشرة لما كان هناك وجود لإسرائيل.

في نهاية المطاف سيكره “الملوك العشر” (بدءاً من بوش الابن) و “الوحش” نفسه ما أنتجوه وسيدمرون إسرائيل بضرب قلبها، أورشليم القدس. سيكون ذلك تدميراً ذاتياً: “وتلك القرون العشرة التي رأيتها والوحش سيبغضون الزانية (أورشليم الصهيونية) ويعزلونها ويعرونها من ثيابها ويأكلون لحمها ويحرقونها بالنار” (رؤيا 17، 16). عندما يتم ذلك كله، سنفهم بأية وسيلة سيحطم يسوع، المسيح الحي، عدوه المسيح الدجال: إسرائيل.

هذه الزانية هي “المرأة الجالسة على الوحش” (رؤيا 17، 3 – 15). يوضح يوحنا الرسول أن “هذه المرأة هي المدينة العظيمة (أورشليم) التي تتسلط على ملوك الأرض” (رؤيا 17، 8). أيضاً النبي إشعيا نعتها بالزانية من قبل: “كيف صارت المدينة الأمينة زانية؟ كانت عامرة بالعدل وفيها يسكن الحق. أما الآن ففيها يسكن القتلة” (إشعيا 1، 21). تتسلط على “الملوك العشرة”، ومن خلالهم على سائر رؤساء الدول وجيوشها. رأى يوحنا تلك المدينة، أورشليم، “تنقسم إلى ثلاثة أقسام”: يهودية – مسيحية – إسلامية (رؤيا 16، 19). وبانقسامها سينتهي الحلم الصهيوني إلى الأبد.


“ورأيت المرأة سكرى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع” ( رؤيا 17، 6).

إن الذين يتضامنون مع الوحش تمحى أسماؤهم من كتاب الحياة الأبدية، أمّا المختارون فهم الذين يقاومون الوحش:

“سيسجد للوحش سكان الأرض كلهم، أولئك الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة، كتاب الحمل (يسوع) الذبيح (المصلوب)” (رؤيا 13، 8 – 9).


“في أحضان هذا الأب المفجوع من الألم، طفل فلسطيني ضحية الهمجية الإسرائيلية” (تلفوتو رويترز) جريدة أوريان لو جور، 20 أيار 2004

الأطراف المتحالفة مع المسيح

الفارس

فارس سفر الرؤيا هو يسوع، “كلمة الله”. يحارب الوثنيين بالعدل:

“فرأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض وعليه راكب يدعى “الأمين” و “الصادق”، يحكم ويحارب بالعدل… وعليه اسم مكتوب لا يعرفه أحد سواه (فلسطين)، وهو يلبس ثوباً مغموساً بالدم (دم الشهداء، ضحايا الوحش)، واسمه كلمة الله. وكانت تتبعه على خيل بيض جنود السماء (حزب الله إلخ…)…” (رؤيا 19، 11 – 16).

هذا الإسم السري الذي “لا يعرفه أحد سواه” يدل على أن يسوع سيرتدي شكلاً جديداً لا يعرفه إلا هو والذين أراد أن يكشف لهم ذاته (رؤيا 3، 12). هكذا يعود كـ “السارق” (رؤيا 3، 4 / 16، 15 / تسالونيكي الأولى 5، 4 / بطرس الثانية 3، 10).

المرأة

في منتصف كتاب الرؤيا تظهر امرأة متسربلة بالنور:

“وظهرت آية عجيبة في السماء: امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً” (رؤيا 12، 1).

هذه المرأة هي مريم، أم المسيح:

“فولدت ولداً ذكراً (يسوع) وهو الذي سيحكم الأمم كلها بعصاً من حديد” (رؤيا 12، 5).

يشن الشيطان حرباً ضارية على المرأة ونسلها:

“ولما رأى التنين أنه سقط إلى الأرض، أخذ يضطهد المرأة التي ولدت الابن الذكر (رؤيا 12، 13)… فغضب التنين على المرأة وذهب يقاتل باقي نسلها الذين يعملون بوصايا الله وعندهم شهادة يسوع (ضد الوحش)” (رؤيا 12، 17).

هذه المرأة هي العذراء مريم التي ظهرت في لاساليت (فرنسا)، سنة 1846، لتندد بخيانة رجال الدين وتعلن عن ظهور المسيح الدجال القريب مدعوماً من الملوك العشرة. كما تنبأت أيضاً بظهور الوحش (راجع نص “رسالة مريم في لا ساليت”). ظهرت مريم من جديد في فاطمة (البرتغال)، سنة 1917، لتحذّر العالم من كوارث رؤيوية، تاركة للبابوات واجب إفشاء سر معيّن عام 1960. لكنهم لم يعلنوه أبداً. إدّعى البابا يوحنا بولس الثاني إذاعة هذا السر في صيف سنة 2000، لكنه في الحقيقة ما زال مطموساً من قبل “المافيا” الفاتيكانية. إننا نعتقد أن هذا السر يحذّر العالم من المسيح الدجال (الصهيونية) ومن تسلله إلى قلب الفاتيكان نفسه كما أشارت العذراء بوضوح في ظهورها في بلدة “لا ساليت”: “إن المسيح الدجال سيولد من راهبة عبرية مزيفة (الصهيونية)، ويكون والده اسقفاًً (رمز التعاون المسيحي الإسرائيلي). وأعلنت العذراء أيضاً أن “روما ستفقد الإيمان وتصبح عرش المسيح الدجال”. لم يعلن البابا سر فاطمة لأنه يكشف القناع عن هوية المسيح الدجال، إسرائيل. لم يملك البابا الشجاعة الكافية للشهادة أمام قوة الوحش، لذلك قام يسوع بنفسه بفضح عدوه الدجال، وحش الرؤيا، بكشف هويته يوم 13 أيار (مايو) 1970.

إن ظهور العذراء في عصرنا هو علامة قاطعة على أزمنة الرؤيا!

الشاهدان

سيرسل الله من عنده “شاهدين” ضد الوحش، الذي ينتصر عليهما ويقتلهما، فيفرح العالم ويبتهج:

“وسأرسل شاهدين من عندي عليهما المسوح، يتنبآن (ضد الوحش)… حتى يجيء الوحش الصاعد من الهاوية ويصرعهما ويغلبهما ويقتلهما…ويشمت بهما سكان الأرض ويبتهجون ويتبادلون الهدايا، لأن هذين النبيين أنزلا بسكان الأرض عذاباً شديداً” (رؤيا 11، 3 – 10).

لقد اتّهم العالم بأسره هذين الشاهدين واضطهدهما ونعتهما بالإرهابيين. هذان الشاهدان هما الشعبان الفلسطيني واللبناني، وخاصة أهل جنوب لبنان الذين يجاهدون ضد الوحش، لا الذين يخضعون له ويتعاملون معه. يأتي كتاب الرؤيا على ذكر هذين الشاهدين في مكان آخر أيضاً، إذ رأى القديس يوحنا “نفوس المذبوحين (الفلسطينيون، الشاهد الأول) في سبيل كلمة الله والشهادة التي شهدوها (الشهادة هي المقاومة ضد إسرائيل). فصرخوا بصوت عظيم: إلى متى، أيها السيد القدوس الحق، لا تدين سكان الأرض وتنتقم منهم لدمائنا؟… وقيل لهم (للفلسطينيين) أن يصبروا قليلاً حتى يكتمل عدد شركائهم في الخدمة وإخوتهم ( اللبنانيون، وهم الشاهد الثاني) الذين سيُقتَلون مثلهم” (رؤيا 6، 9 – 11).

لهذين الشاهدين “سلطان على أن يغلقا السماء فلا ينزل المطر في أيام نبوءتهما، ولهما سلطان على أن يجعلا المياه دماً وأن يضربا الأرض بأنواع البلايا كلما أرادا” (رؤيا 11، 6).

لهذه الآيات معنى رمزي: لهذين الشاهدين القدرة على إحباط كل عمليات السلام التي تقوم على حساب حقهما وذلك باللجوء إلى الوسائل العسكرية (تكلمت العذراء في لا ساليت عن “سلام مزيف”). “السماء” و “المطر” يرمزان إلى السلم والإزدهار المجمدان بسبب مقاومة الشاهدين ضد الوحش.

أما سلطان تحويل الماء (ماء المعمودية) إلى دم، فهذا يعني أن دمهما المسفوك بمقاومتهما الوحش هو شهادة ليسوع وبمثابة معمودية حقيقية، لا بالماء، بل بالدم (معمودية فاطمة). كما أن الله يعتبر هذين الشاهدين “مصلوبين” مثل يسوع، فيقول عنهما كتاب الرؤيا: “وما أن يتمّا شهادتهما حتى يجيء الوحش الصاعد من الهاوية ويصارعهما ويغلبهما ويقتلهما… حيث صُلِب ربّهما (في أورشليم القدس)” (رؤيا 11، 7 – 8). إن معمودية الدم هذه تجعل منهما تلميذي السيد المسيح بما أنه ربّهما.

ملاك الرؤيا

هذا الملاك المرسل من السماء هو بشر، رسول، كما شرحنا في الفصل الأول.

اليوم، وقد ظهر الوحش، كشف يسوع لـ “ملاكه” لغز كتاب الرؤيا، ثم أرسله وبيده هذا “الكتاب الصغير المفتوح” (رؤيا 10، 1 – 2) ليفسّر مضمونه: “لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب لأن الوقت قريب” (رؤيا 22، 10).

يتميز هذا الرسول بأنه يأتي من الشرق (نسبة إلى بطمس)، أي أنه شرقي. فقد قال يوحنا: “ثم رأيت ملاكاً آخر يطلع من المشرق حاملاً ختم الله الحي…” (رؤيا 7، 2).

يأتي رسول الرؤيا من المشرق، من لبنان، حيث كشف له المسيح سر كتاب الرؤيا، ثم أرسله ليفسّر للناس محتوى هذا الكتاب. إن “ختم الله الحي” هو هذا “الكتاب الصغير” نفسه. فالذين يؤمنون بهذه الرسالة هم تلقائياً “مختومون”، مختارون من الله. إن اصطفاء هؤلاء المؤمنين سيتم قبل المحنة العالمية الكبرى (الحرب النووية):

“فنادى (الملاك) بصوت عظيم… وقال: انتظروا، لا تنزلوا الضرر بالبر والبحر والأشجار إلى أن نختم عباد إلهنا على جباههم” (رؤيا 7، 2 – 3).

هذه الحرب ستنهي هيمنة الوحشين على العالم. لقد تنبأ يسوع بهذا اليوم الرهيب الذي سيسبق عودته ويغيّر وجه العالم:

“ويصيب الأمم في الأرض قلق شديد… ويسقط الناس من الخوف ومن انتظار ما سيحل بالعالم (الأسلحة النووية التي تهدد العالم بأسره)… وفي ذلك الحين يرى الناس ابن الإنسان آتياً في سحابة بكل عزّة وجلال”. لكنه سارع على الفور إلى طمأنة خاصته الموسومين بختم الله الحي: “وإذا بدأت تتم هذه الحوادث، قفوا وارفعوا رؤوسكم لأن خلاصكم قريب” (لوقا 21، 25 – 28).

أسباب الغموض التام: تفسير النبوءة المختومة في حينه

على مر القرون، بقي كتاب الرؤيا غامضاً بشكل تام ولأسباب عديدة، أهمّها أن النبؤات المذكورة فيه لم تكن قد تمّت بعد. فلا يمكن فهم أية نبوءة إلا بعد تحققها تاريخياً. كذلك النبوءات التي وردت عن السيد المسيح في كتب العهد القديم لم تُفهم بتفاصيلها إلا بعد مجيء يسوع. فلم يكن أحد يتوقع، في الماضي، أن المسيح المُخلّص سيُسَلّم إلى الموت من قِبَل الذين كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. كذلك أيضاً، نبوءة النبي إشعيا، الفصل 53، التي يتنبأ من خلالها أن المسيح سيقتل على يد شعبه، لم يكن من الممكن فهمها قبل صلب يسوع.

وكذلك نبوءات كتاب الرؤيا عن “الوحش” كانت غامضة تماماً. فبعد ظهورالوحش في العالم، تدخّل المسيح بنفسه ليفضح هويته ويفسّر النبوءات التي وردت عنه في كتاب الرؤيا. لولا هذا التدخل الإلهي لكانت هذه النبوءات قد بقيت مقفلة ومحكمة السرية.

في الماضي، ظهر يسوع بعد قيامته إلى “تلميذي عماوس” وشرح لهما النبوءات المتعلقة به، فقال: “أما كان ينبغي على المسيح أن يعاني هذه الآلام، فيدخل في مجده؟ ثم أخذ يفسّر لهما ما جاء عنه في جميع الكتب المقدسة، من موسى (التوراة) إلى سائر الأنبياء” (لوقا 24، 27). ثم فتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدسة وقال لهم: هذا ما جاء فيها، وهو أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث” (لوقا 24، 45 – 46). لو لم يفسّر المسيح النبوءات المتعلقة به لتلاميذه، لما انفتحت أذهانهم، ولما فهموها كما قصدها الله. ولما فهمناها نحن أيضاً. لذلك، لو لم يشرح المسيح ألغاز كتاب الرؤيا، لبقي هذا “الكتاب الصغير” منيعاً وغامضاً بالنسبة لنا.

فيقول القديس بطرس عن نبوءات الكتاب المقدس:

“واعلموا قبل كل شيء أن لا أحد يقدر أن يفسّر من عنده أية نبوءة في الكتب المقدسة، لأن ما من نبوءة على الإطلاق جاءت بإرادة إنسان، ولكن الروح القدس دفع بعض الناس إلى أن يتكلموا بكلام من عند الله” (بطرس الثانية 1، 20 – 21).

لذلك، تجدر الإشارة إلى أن تفسير كتاب الرؤيا الوارد هنا لم يأتي “بإرادة إنسان”، بل بوحي إلهي من السيد المسيح نفسه. وإن كان كتاب الرؤيا، قبل يوم 13 أيار (مايو) سنة 1970، قد اكتنفه غموض تام، فالسبب هو أن الروح القدس لم يكن قد فسّره بعد. لقد حاول البعض تقديم تفسير شخصي بمبادرة شخصية منهم، ولم يكونوا مُوكلين من الله.

عاملان مهمان ساهما في حفظ سر كتاب الرؤيا على مر الأجيال:

1- نبوءات سفر الرؤيا لم تكن قد تمّت بعد. كثيرون، كما قال بطرس الرسول، “حاولوا اكتشاف الزمان والأحداث التي دل عليها روح المسيح” (بطرس الأولى 1، 11)، لكن كل هذه البحوث البشرية لم تنجح لأن “الزمان” لم يكن قد حان و “الأحداث” لم تكن قد تبلورت بعد في العالم. بدءاً من سنة 1948، سنة ظهور “الوحش”، حان “الوقت” وظهرت في العالم “الأحداث” التي تنبأ بها كتاب الرؤيا. فظهر المسيح عندئذٍ في يوم 13 أيار 1970 لشرح أبعاد النبوءات بفتح “الكتاب الصغير” وإسقاط القناع عن “الوحش” مُعلناً هويته الحقيقية.

2- يقدّم كتاب رؤيا يوحنا أحداثه بطريقة معقدة للغاية تضمن الكتمان التام حتى بعد ظهور الوحش. لو لم يسلّم المسيح مفتاح التفسير، لما استطاع أحد أن يفهم مضمون الكتاب ولبقيت رسالته مبهمة للأسباب الثلاثة التالية:

  1. التشابك بين الأحداث والأطراف
  2. التكرار المختلف لنفس الحدث
  3. الرموز المختلفة لحقيقة واحدة

التشابك بين الأحداث والأطراف

إن الأحداث والأطراف متشابكة ولا تظهر بشكل منتظم ومتسلسل. لدى قراءة كتاب الرؤيا، علينا أن لا نتوقع تتابعاً مترابطاً للأحداث المذكورة فيه، فالتشابك بين الأطراف والأحداث يُضلل ترابط أفكار القارىء. فالوحش، مثلاً، مذكور بشكل مفاجئ ومختصر في الفصل 11، 7 دون سابق تمهيد، كأنه يفترض على القارىء معرفة هويته. هكذا يمر “الوحش” بطريقة غير ملحوظة دون أن يثير انتباه القارىء، ثم يتكرر ذكره في الفصلين 13 و17 بإسهاب وبشكل مفصل ورمزي مشيراً إلى طابعه الإجرامي، وجوده السابق، ثم اختفائه، ليعود ويظهر بقوة في مكان غامض، قبل فنائه الأبدي. لكن كان لا بد أيضاً من “مفتاح” لفهم كل هذه الأحداث. فمن خلال التفسير الذي كشفه يسوع، توصلنا، متحلين بالصبر، إلى وضع أجزاء اللغز كل في مكانه. فبدون هذا “المفتاح” لتاه القارىء في تشابكات هذا الكتاب.

التكرار المختلف لنفس الحدث

تتكرر رواية الحدث ذاته عدة مرات بصور ورموز مختلفة، كما هو الحال في كتاب التكوين بالنسبة لحلمي فرعون اللذين فسّرهما يوسف: حلم “السنابل السبع” وحلم “البقرات السبع”. فللحلمين تفسير واحد، وهما ينذران بمجاعة سبع سنوات تلي سنوات سبع من الحصاد الوفير، فيستطرد الشرح بالقول: “وما تكرار الحلم على فرعون مرتين إلا لأن الأمر أقره الله وسيفعله عاجلاً” (تكوين 41، 17 – 32).

في كتاب الرؤيا أيضاً، هنالك تكرار برموز مختلفة لأن الله مصمم على القضاء نهائياً وبلا رحمة على الوحش لدى عودته، فوردت رواية نفس القصة عن عودة الوحش وسقوطه ثلاث مرات.

  1. الرواية الأولى تمتد من الفصل 4، 1 إلى الفصل 8، 1 حيث رأى يوحنا الله جالساً على عرشه (4، 1 – 2) ليدين البشرية بموجب كتاب مختوم بسبعة أختام (5، 1). فتقدم “الحمل” (يسوع) ليأخذ الكتاب (5، 7). في الفصل السادس يفض الحمل أختام الكتاب الواحد تلو الآخر. أربعة فرسان وأحصنتهم يظهرون (يمثلون “الوحش”)، يجعلون في الأرض حروباً ومجاعات (6، 1 – 8)، ويذبحون شهود الله تحت المذبح (6، 9 – 11). بالنهاية، يستجيب الله لصلوات شهدائه ويُظهر غضبه على الوحش (6، 12 – 17). بعد سقوط الوحش يبدأ في العالم عهد جديد (رؤيا 21 و22).
  2. الرواية الثانية لنفس القصة تلي الأولى مباشرة برموز مختلفة، وتمتد من الفصل 8، 2 حتى نهاية الفصل 9. استُبدلت “الأختام السبعة” هنا بـ “الأبواق السبعة” التي يحملها سبعة ملائكة.

    بين هذه الرواية الثانية والرواية الثالثة التي تتبعها من الفصل 10 إلى الفصل 15، 4 تظهر أطراف الأحداث برموز متشابكة ومبعثرة: الملاك، الشاهدان، التنين ،المرأة، الوحش، الوحش الآخر والمختارون.

  3. الرواية الثالثة للقصة نفسها تمتد من الفصل 15، 5 حتى الفصل 16. الرموز هنا أيضاً تتغير، فهي سبعة ملائكة تحمل سبعة كؤوس مملوءة من غضب الله.

كل “ختم” يُفتح، وكل “بوق” يُنفخ فيه، وكل “كأس” يُسكب على الأرض، ما هي إلا رموز مختلفة لحقيقة واحد.

الرموز المختلفة لحقيقة واحدة

الأطراف أنفسهم تمّ تقديمهم برموز مختلفة:
فالوحش المذكور في الفصلين 13 و17 يتمثل أيضاً بالرموز التالية:

  • “الفرسان الأربعة” المخرّبون (6، 1 – 7)
  • جبل (صهيون) الملقى في البحر (8، 8)
  • نجمة داود التي تسقط من السماء على الأرض (9، 1)
  • “الوثنيون الذين يدوسون المدينة المقدسة” (11، 2)
  • “بابل العظيمة” (18، 2)
  • “الأمم” (الخائنة)، “جوج وماجوج”، المجمّعين من زوايا الأرض الأربع للقتال في أورشليم، “المدينة المحبوبة”. (رؤيا 20، 7 – 9)

أصعب الرموز فهماً – هنا يجب الانتباه – هي في الفصل 17، 9 – 11:
إن “الرؤوس السبعة (للوحش) هي “التلال السبعة” التي تجلس عليها المرأة الزانية (التلال السبعة هي حيث توجد أورشليم: جبل صهيون، جبل موريا إلخ…17، 9). هي أيضاً “سبعة ملوك” (17، 10). هؤلاء الملوك يمثّلون تاريخ إسرائيل الماضي كمملكة: الملوك الخمسة الذين مضوا يُمثلون الوحش الذي “كان”. أما الذي لا يزال حياً فهو يمثّل اليهود الذين كانوا يسعون في الخفية لإقامة المملكة الإسرائيلية في ظل الامبراطورية الرومانية. هذا ما سماه بولس الرسول “سر المعصية” الذي كان يعمل عمله في ذلك الوقت (تسالونيكي الثانية 2، 7). والملك السابع “الذي لم يأتِ بعد ويجب أن يبقى وقتاً قليلاً” يمثّل عودة الوحش إلى العالم “لمدة قصيرة”. إنه أيضاً الملك “الثامن مع أنه أحد السبعة”. إن عودة إسرائيل، لا كمملكة كما في الماضي هي “الملك الثامن مع أنه أحد السبعة” لأنه يمثّل هؤلاء الملوك السبعة الذين مضوا، فهو يجسد كل تاريخ إسرائيل. ما زال الإسرائيليون يأملون إقامة مملكة داود وهيكل سليمان في أورشليم القدس وما زالوا يعلنوها عاصمة لإسرائيل ومدينة الملك داود.
تنويع الرموز يظهر أيضاً في الأعداد:
الـ “42 شهراً” (رؤيا 11، 2) هي أيضاً الـ “1260 يوماً” (رؤيا 11، 3 / 12، 6) (42 شهراً = 1260 يوماً).
هذه المدة نفسها هي “زمن، وزمنين، ونصف زمن” (رؤيا 12، 14).

سنقدم مزيداً من التوضيح في الفصل التالي.

شرح الأعداد والرموز

العدد “666”

666 وزنة من الذهب

لقد رأينا أن العدد 666، عدد اسم الوحش، يشير إلى كمية الذهب التي كانت تتدفق إلى خزينة الملك سليمان من البلدان المجاورة (الملوك الأول 10، 14 وأخبار الأيام الثاني 9، 13). اليوم، تحلم إسرائيل بمدخول سنوي كهذا قدره 17000 كلغ من الذهب تقريباً (17 طناً). ثروة كهذه تغذّي صندوقها الإقتصادي تعني أيضاً بسط سلطانها المعنوي على البلدان العربية وعلى العالم بأسره. ومن هنا، فالعدد “666” يرمز إلى الطموحات الصهيونية، أي إلى “إسرائيل الكبرى”.

رمز الفشل

العدد “6” يرمز إلى الفشل. فالفشل هو مصير إسرائيل التي يرمز إليها بالنجمة ذات الزوايا الست. في المفهوم النبوئي، العدد “6” هو رمز الشر وعدم الكمال، يقابله العدد “7”، الذي يرمز إلى الخير والكمال. فعندما يطلب المسيح الصفح “7 مرات” أو “77 مرة” (متى 18، 21)، فهذا يعني أن الصفح يجب أن يكون كاملاً لمن يستغفر بصدق وإخلاص، عندئذٍ ليس على الغفران أن يكون عددياً “7” مرات فحسب، بل كاملاً وتاماً، من أعماق القلب، كما يرمز العدد 7، إلى الكمال. كذلك أيضاً “الأختام السبعة” على الكتاب المختوم، تعني أن سر الكتاب محفوظ وغامض بصورة تامة. وأيضاً “قرون الحمل السبعة” ترمز إلى قدرته الشاملة اللامحدودة، و “عيونه السبع” إلى نظره الخارق للنفوس (رؤيا 5، 6).

في مفهوم كتاب الرؤيا، العدد “6”، الذي هو أدنى بدرجة واحدة من العدد “7”، هو رمز الإخفاق، ويشير إلى مخطط فاشل وعقيم، يؤدّي إلى الضياع الأبدي، لا إلى “راحة اليوم السابع”. فقد خلق الله العالم في “6” أيام، لكنه “استراح في اليوم السابع” (تكوين 2، 2). الإنسان المتسم بالعدد “7” يدخل في راحة الله، فيقول بولس الرسول إن “راحة اليوم السابع” نصيب المؤمنين بالمسيح. لذلك يدعو اليهود الرافضين يسوع إلى الإيمان به إن أرادوا الدخول في يوم الراحة حيث يقول: “لنخشى إذاً أن يصل أحد منكم متأخراً بعد فوات الأوان… فهناك راحة، هي راحة اليوم السابع، وهي المخصصة لشعب الله (المؤمنين بيسوع)… فلنجتهد إذاً للدخول في هذه الراحة” (عبرانيين 4، 1 – 11).

إن يسوع نفسه يدعو الجميع للدخول إلى هذه الراحة: “تعالوا إلي، يا جميع المتعبين والرازحين تحت أثقالكم وأنا أريحكم. إحملوا نيري… فتجدوا الراحة لنفوسكم…” (متى 11، 28- 29). نأمل أن يلبّي اليهود اليوم هذه الدعوة ليسوع. سيفهمون عندئذٍ أن لا سلام لهم ولا أمان في المخطط الصهيوني، وأن الراحة الوحيدة هي بالإيمان بيسوع المخلص. الذين يرفضون أن يجيئوا إلى يسوع يتسمون بالعدد “6”، رمز الشيطان، فيقضون على أنفسهم ويذهبون إلى الهلاك الأبدي لا إلى الراحة الأبدية، فلا يدخلوا أبداً في اليوم السابع. لذلك يقول كتاب الرؤيا:

“يصعد دخان عذابهم إلى أبد الدهور. لا راحة في الليل والنهار للساجدين للوحش وصورته ولمن يوسم باسم الوحش” (رؤيا 14، 11).

أما الذين يحاربون “الوحش”، ولو من دون علمهم، هم الذين يقول عنهم يوحنا: “هنا صبر القديسين الذين يتمسكون بوصايا الله والإيمان بيسوع” (رؤيا 14، 12). هؤلاء سيدخلون راحة الله الأبدية:

“طوبى للأموات الذين يموتون منذ الآن في الرب! نعم، يقول الروح (القدس)، فيستريحون من متاعبهم، لأن أعمالهم ترافقهم” (رؤيا 14، 13).

تحالف أقطاب الشر الثلاث

التكرار الثلاثي للعدد “6” (666) يمثل تحالف أقطاب الشر الثلاث: “التنين” و “الوحش” و “الوحش الآخر”. كل من هؤلاء الحلفاء الثلاثة موسوم بالعدد “6”، فهم موحدون في عدد واحد يمثل حلفهم: “666”، لأنهم يعملون من أجل هدف واحد هو تثبيت أركان الوحش. من جهة، “أعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً واسعاً” (رؤيا 13، 2)، ومن جهة أخرى، الوحش الثاني، هو أيضاً، “مارس كل سلطة الوحش الأول بمحضر منه، فحمل الأرض وسكانها على السجود للوحش الأول” (رؤيا 13، 11 – 12)، وأيضاً “الملوك العشرة… اتفقوا على أن يعطوا الوحش قوتهم وسلطانهم” (رؤيا 17، 12 – 13). يظهر هنا الحلف الثلاثي الشيطاني. والملفت للانتباه أن هذه الأرواح الثلاثة الجهنمية تخرج “من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب (الوحش الثاني)” (رؤيا 16، 13). المقصود هنا هو الحلف الثلاثي الشيطاني. الوحش الثاني يدعى بـ “النبي الكذاب” لأنه يتنبأ كذباً بانتصار الوحش، فالنبوءة الصحيحة الصادقة هي أن الوحش “سيمضي إلى الهلاك” (رؤيا 17، 8).
جرائد العالم، والشرق الأوسط خاصةً، تخبرنا كل يوم أن رؤساء الوحشين يطوفون دون انقطاع على رؤساء وملوك دول العالم، والبلاد العربية على وجه الخصوص، لحملهم على الانضمام إلى موقف الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل وفرض السلم معها. هذا “السلام المزيف” سينتهي بحرب تدعى رمزياً “هرمجدون”. فيقول يوحنا: “رأيت ثلاثة أرواح نجسة… وهي أرواح شيطانية تصنع المعجزات وتذهب إلى ملوك الأرض كلها لتجمعهم للحرب في اليوم العظيم، يوم الهط القدير… فجمعتهم في المكان الذي يدعى بالعبرية هرمجدون” (رؤيا 16، 13 – 16). نلاحظ أن هذا الاسم هو بالعبرية. ويعني جبل مجدون (“هار” بالعبرية تعني جبل). تقع “مجدو” بالقرب من “حيفا” في شمال فلسطين وترمز إلى هزيمة جيش إسرائيل أمام جيش مصر سنة 609 ق.م (الملوك الثاني 23، 28 – 30 وأخبار الأيام 35، 19 – 25). في هذه المعركة قَتَل الفرعون “نكو” ملك إسرائيل “يوشيا” الذي كان أمل إسرائيل. هذه المعركة المأساوية كانت بداية نهاية إسرائيل، فبعدها بعشرين سنة هجم نبوخذنصر على أورشليم وهدم هيكل سليمان وأنهى المُلك الإسرائيلي أول مرة. منذئذٍ، أصبحت “مجدو” رمز فشل وفناء إسرائيل. أما اليوم، فهناك هزيمة “مجدو” أخرى، كبيرة كالجبل (هار)، تنتظر الوحش… وحلفاءه.

الـ “42 شهراً”

أُعطي الوحش “سلطاناً أن يعمل مدة 42 شهراً” (رؤيا 13، 5)، و “الأمم الوثنية (الوحش) سيدوسون هم أيضاً المدينة المقدسة (أورشليم القدس) مدة 42 شهراً” (رؤيا 11، 2). هذا يعني أن الوحش والوثنيين واحد. سيقيم الله ضدهم “شاهدين من عنده يتنبآن مدة 1260 يوماً” (رؤيا 11، 3). معنى ذلك أنهما سيتنبآن ضد “الوحش” طوال فترة احتلاله أورشليم، لأن الـ “42 شهراً” تساوي “1260 يوماً” (42x 30 = 1260).

خلال تلك الفترة، “المرأة”، رمز رسل الرؤيا، تهرب “إلى الصحراء حيث هيّأ الله لها ملجأ” بعيداً عن الحية حيث تتغذى (من رسالة الرؤيا) “مدة زمن وزمنين ونصف زمن (أي ثلاثة أزمنة ونصف)‘‘ (رؤيا 12، 14). هذه الأزمنة هي الـ “42 شهراً” والـ “1260 يوماً” التي تساوي ثلاث سنوات ونصف. هذه الفترة نفسها يُرمز إليها أيضاً بـ “ثلاثة أيام ونصف” (رؤيا 11، 9)، وهي الفترة التي يضطهد الوحش خلالها شاهدَي الله، “فتبقى جثتاهما مطروحتين… فينظر الناس من كل شعب وقبيلة ولسان وأمة إلى جثتيهما مدة ثلاثة أيام ونصف يوم” (رؤيا 11، 9). لقد شاهدت البشرية بأسرها، عبر شاشات التلفزة، ضحايا الوحش، من فلسطينيين ولبنانيين، قُتلوا أو سُجنوا أو طُردوا من منازلهم المهدومة وهُجّروا من أراضيهم ليحتلّها المستوطنون الإسرائيليون الغاصبون.
منذ النبي دانيال في القرن الخامس ق.م، اتخذت فترة الـ “ثلاثة أزمنة ونصف” طابعاً رمزياً لكل ظلم واضطهاد (دانيال 7، 25).

هذه الفترة الزمنية التي ترد كل مرة في كتاب الرؤيا بطريقة وأعداد مختلفة، تضلل القارىء وتساهم في استحالة فهم النص. إليكم تفسيره: سيحتل الوحش فلسطين مدة “42 شهراً”. خلال هذه المدة التي تساوي “1260” يوماً، سيقاومه ويشهد ضده شاهدا الله ورسل الرؤيا، أبناء “المرأة”، المصطفون والمنعزلون – كأنهم في الصحراء – حيث “يغتذون” من كتاب الرؤيا لاستيعاب رسالته (رؤيا 12، 14). هؤلاء مدعوون لأن يأخذوا هذا الكتاب الصغير المفتوح من يد الملاك وأن “يأكلوه” ليشهدوا من جديد، هم أيضاً، مع شاهدي الله “على كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك” المتحالفين مع الوحش (رؤيا 10، 8 – 10).

القرون

ترمز القرون إلى القدرة والسلطة. يظهر الشيطان في الرؤيا كتنين بلون النار (علامة الغضب الشديد)، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه السبع سبعة تيجان (رؤيا 12، 3). للوحش أيضاً عشرة قرون وسبعة رؤوس، وعلى قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه أسماء التجديف (رؤيا 13، 1 ).

يجب الانتباه إلى تفصيل مهم يمر بشكل غير ملحوظ: للوحش “سبعة رؤوس وعشرة قرون”، والتيجان ليست على رؤوسه مثل التنين، بل على “قرونه العشرة”، هذا يعني أنه يستمد قوته من القرون العشرة، التي ترمز إلى “الملوك العشرة”، أي الوحش الآخر. الوحش الأول لا يملك قدرة ذاتية، لذلك لا توجد تيجان على رؤوسه، أمّا التنين، فيستمد قدرته من ذاته، لذلك يوجد على رؤوسه تيجان. إنه ملك الشر المتوّج.

“الأحصنة الأربعة” وفرسانها

الفرسان الأربعة (رؤيا 6، 1 – 7) يرمزون إلى حقيقة واحدة هي “الوحش”. إنهم يعادون “الكائنات الحية الأربعة” الجالسين حول العرش (رؤيا 4، 6 – 7) الذين يمثلون الإنجيليين الأربعة. كل إنجيلي يسمح لواحد من الفرسان أن يتقدم على فرسه إلى العالم صارخاً له: “تعال”. لقد وهب الإنجيليون الأربعة الحياة للعالم، أمّا هؤلاء الفرسان الأربعة فقد نالوا “سلطاناً على ربع سكان الأرض ليهلكوهم بالسيف والجوع والموت ووحوش الأرض” (رؤيا 6، 8). وحوش الأرض تمثل الوحشين المتضامنين.

أسلحة أزمنة الرؤيا

رأى يوحنا ثلاثة أنواع من الأسلحة لم تكن موجودة في أيامه: الطائرات، القنابل، والدبابات. هذه هي الأسلحة التي تمنح “الوحش” قوته وسلطانه.

“الجراد” (الطائرات والمروحيات)

رأى يوحنا “جراداً” غريباً ينطلق إلى الحرب. إنه يرمز إلى الطائرات والمروحيات:

“… جراد غطى وجه الأرض… وبدا كأنه خيل مهيأة للقتال (إنها أسلحة حربية)… وجوهه كوجوه البشر (يقودها بشر)، وصدوره كدروع من حديد (هيكل الطائرة المعدني)، وصوت أجنحته كضجيج مركبات خيل كثيرة تجري إلى القتال (ضجيج المحركات في الأجنحة)” (رؤيا 9، 3 – 11).

المعارك الجوية هي مقياس حربي جديد يشير إلى أزمنة الرؤيا. الطائرات والمروحيات الحربية هي أهم وأقوى سلاح قدمته الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل.


طائرات حربية إسرائيلية

“البَرَد” (القنابل)

يرمز “البَرَد الكبير” (رؤيا 16، 21) إلى القنابل العصرية التي لم يكن لها مثيل في الماضي. كل حبة بَرَد “بمثقال وزنة” (حجم القنابل الحديثة). هذا البَرَد المخيف يسبب خراباً رهيباً على الأرض: “ونزل من السماء على الناس بَرَد كبير بمثقال وزنة، فشتم الناس الله لنكبة البَرَد هذه لأنها كانت رهيبة جداً” (رؤيا 16، 21).


صواريخ إسرائيلية

هذا البَرَد المدمر يظهر في نفس الوقت مع “جراد” الحرب. القنابل، خاصة الانشطارية، الحارقة والنووية التي يستعملها الوحشان وحلفاؤهما هي أسلحة قوية وفتاكة ضد كل من يقاومهما. هذه الويلات تشير إلى أننا في زمن الرؤيا الذي تنبأ به المسيح.

“الخيل” (الدبابات)

قال يوحنا: “وتراءت لي الخيل (الدبابات) وعلى فرسانها دروع من نار، ومن ياقوت أصفر ومن كبريت. وكانت رؤوس الخيل مثل رؤوس الأسود، يخرج من أفواهها النار والدخان والكبريت (المدافع والرشاشات على الدبابات)” (رؤيا 9، 17).


دبابة إسرائيلية

لم يكن من الممكن فهم النبوءات عن ترسانة الرؤيا قبل ظهور تلك الأسلحة التي كان من غير الممكن تصورها في زمن يوحنا، ولا حتى في بداية القرن العشرين.

المكان

فلسطين هي مسقط رأس الأحداث المتنبأ بها في كتاب الرؤيا. هناك نصان يجذبان انتباهنا إلى هذا البلد، وخاصة إلى أورشليم “المدينة المقدسة” (القدس) و “المدينة المحبوبة”. فهناك يظهر الوحش:

الأمم الوثنية ستدوس المدينة المقدسة “42 شهرا” (رؤيا 11، 2).
الشيطان يحشد الأمم (الوثنية)، جوج وماجوج، من زوايا الأرض الأربعة للقتال.
“فطلعوا على سعة الأرض كلها (المستوطنات الإسرائيلية على كامل الأرض الفلسطينية) وأحاطوا بمعسكر القديسين و “بالمدينة المحبوبة” (أورشليم، القدس، التي يبتغيها الإسرائيليون عاصمة لهم)” (رؤيا 20، 7 – 9).

المكان الذي يحشد فيه الشيطان رجاله معروف بسبب ذكر المدينة المقدسة والمحبوبة: “القدس”.

مواصفات الوحش

  1. كان موجوداً في الماضي ، ثم اختفى قبل سنة 95م، على أن يظهر مجدداً ليذهب نهائياً
    إلى هلاكه.
  2. يظهر في فلسطين بقوة ويبدو وكأنه لا يُقهر.
  3. كان مصاباً بجرح مميت لكنه شُفي منه.
  4. يملك سلطاناً عالمياً عظيماً.
  5. يرمز إلى جماعة بشرية.
  6. دولة قوية تدعمه وتفرضه على العالم.
  7. يظهر مع الطائرات والقنابل والدبابات.
  8. يسفك كثيراً من الدماء البريئة.
  9. ينكر أن يسوع هو المسيح.
  10. سينهزم في حرب “هرمجدون”.

إن ظهور إسرائيل في فلسطين سنة 1948، هذا الكيان المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية والمركب من يهود العالم الذين تدفقوا إلى فلسطين، واستوطنوا على كل سعة أرضها بالحرب والاضطهاد، مبتغين أورشليم عاصمة لهم، لهو مؤشر قاطع على أننا وصلنا إلى نهاية الأزمنة التي تنبأ بها كتاب “رؤيا يوحنا”.

بعد السقوط

الإصلاح: السماء الجديدة والأرض الجديدة

بعد سقوط الوحش، سيفتتح الله عهداً جديداً في العالم إذ رأى يوحنا “سماءً جديدة وأرضاً جديدة” (رؤيا 21، 1)، “وقال الجالس على العرش: ها أنا أجعل كل شيء جديداً” (رؤيا 21، 5). لقد تنبأ الرسول بطرس هو أيضاً بهذا العالم الجديد: “ولكننا ننتظر، كما وعد الله، سماوات جديدة وأرضاً جديدةً يسكن فيها العدل” (بطرس الثانية 3، 13). (راجع نص “الإصلاح الشامل”).

لقد سردنا أحداث كتاب الرؤيا بأسلوب بسيط ومنهجي. لم تُكشَف هذه الأحداث ليوحنا بهذه الطريقة الواضحة والمرتبطة، لأن الله أراد حفظ سرية مضمون رسالتها إلى حين ظهور الوحش عشية عودة المسيح (رؤيا 5، 1 و10، 4). فأرسل المسيح رسوله ليشرح الرسالة: “لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب، لأن الوقت (عودة المسيح) قريب (رؤيا 22، 10). أراد الله هذا الكتمان “ليمتحن سكان الأرض” قبل عودة يسوع (رؤيا 3، 10 – 11).

هكذا يفحص المسيح القلوب اليوم إذ قال: :إني أفحص الأكباد والقلوب” (رؤيا 2، 23). المختارون هم الذين يشهدون للحق بصمودهم ضد الوحش حتى الشهادة. إنهم بصمودهم ضد المسيح الدجال يوطدون أركان ملكوت الله ومسيحه على الأرض (رؤيا 10، 11).

“اليوم تم النصر والعزة والمُلك لإلهنا والسلطان لمسيحه، لأن (الوحش) الذي يتهم إخوتنا (الشاهدان) ألقي إلى الأرض… غلبوه بدم الحمل وشهادتهم له، وما أحبوا حياتهم حتى في وجه الموت” (رؤيا 12، 10 – 11).

يروي كتاب الرؤيا قصة عودة إسرائيل، الوحش، والمسيح الدجال، والقضاء النهائي عليها. بسقوطها يتجلى سلطان ومجد المسيح، يسوع الناصري، وملكوته يدوم إلى الأبد.

ملكوت الله على الأرض

يُنفخ في البوق السابع لإعلان تثبيت ملكوت الله على الأرض بعد سقوط المسيح الدجال:

“ونفخ الملاك السابع في بوقه، فارتفعت أصوات عظيمة في السماء تقول: صار مُلك العالم لربنا ولمسيحه، فيملك إلى أبد الدهور” (رؤيا 11، 15).

النور الإلهي الذي حجبه التنين والوحش، سيسطع من جديد في قلوب المتعطشين للحق والمحبة. سيعيشون مع الله في قلوبهم ويكونون هيكل الله على الأرض. لذلك يقول كتاب الرؤيا:

“من غلب أعطيته من المن الخفي وحجراً* صغيراً أبيض حفر عليه اسم جديد لا يعرفه إلا الذي يناله”. (رؤيا 2، 17)

* بعض الأناجيل تترجم كلمة “حصاة بيضاء” بدلاً من “حجراً أبيض”. إن كلمة “حصاة” هي ترجمة للكلمة اليونانية psyfon كون اللغة التي كُتب فيها كتاب الرؤيا هي اليونانية. بينما في اللغة اليونانية هذه الكلمة تعني أيضاً “حجر” أو “صخر”. علينا هنا أن نترجمها إلى كلمة “حجر” (كما وردت في الترجمة المسكونية لإنجيل Bible TOB) بما أن “الحصاة” لا تصلح لإشادة أي بناء.
تتميز كلمة “صخر” بوقع نبوي وإنجيلي لا تثيره كلمة حجر. فعندما قال يسوع لبطرس: “أنت صخر، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي” (متى 16، 18)، قد كرس هذه الكلمة. وتناولها من جديد في كتاب الرؤيا ليبني كنيسته اللامادية لنهاية الأزمنة. فهذه الكنيسة ليست بناءً مادياً، بل تمثل رسل الرؤيا، أحجار بناء الهيكل الروحي المكون منهم ومن جميع الذين يؤمنون بالرسالة الرؤيوية كما كشفها يسوع لرسوله. فيُعتبر هؤلاء “الحجارة الحية” للهيكل الروحي، الغير مادي، لأورشليم السماوية، ويسوع هو “حجر الزاوية” في هذا الهيكل (قراءة بطرس الأولى 2، 4- 5: “أنتم أيضاً حجارة حية…”، كورنثوس الأولى 3، 16 / 6، 13 – 20 / كورنثوس الثانية 6، 16 / أفسس 2، 20).
في كتاب الرؤيا، يصف يسوع المؤمن الغالب بـ “العمود في هيكل إلهي” (رؤيا 3، 12). كتاب الرؤيا يؤكد على هذا النظام العالمي الجديد:
“ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى زالتا، وما بقي للبحر وجود (موت الروح)… أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً… وأكون له إلهاً ويكون لي ابناً… وما رأيت هيكلاً في المدينة، لأن الرب الإله القدير والحمل هما هيكلها… لأنه لا ليل فيها” (رؤيا 21).

“تعال! من كان عطشاناً فليأتِ، ومن شاء فليأخذ ماء الحياة مجاناً” (رؤيا 22، 17).

أبتاه، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. آمين!

“آه نعم، تعال أيها الرب يسوع! آمين!”

“من كان له أذنان، فليسمع ما يقول الروح للكنائس” (رؤيا 2، 7).