المسيح في الصحراء (إيفان كرامسكوي)

قليل من الناس يفهم مأساة يسوع وسبب رفض اليهود الاعتراف بأنه المسيح المنتظر؛ ألا وهو رفضه إعادة تأسيس المملكة اليهودية، لأن ملكوت الله “ليس من هذا العالم” (يوحنا 18، 36). لذلك، فإن الله يدين قيام أية دولة يهودية بقدر ما يدين قيام أية دولة مسيحية أو إسلامية.

إن الله، في الواقع، هو لجميع المؤمنين، أمّا الدول فهي لجميع مواطنيها، مؤمنين وغير مؤمنين.

الصهيونية مقابل اليهودية

مأساة يسوع هي الصهيونية، أي تسييس الديانة اليهودية. هنا تكمن المشكلة برمتها! لأن اليهودية ذات جوهر روحي. لقد نشأ هذا الإيمان بالله منذ 4000 سنة مع ابراهيم الذي تجلّى له الخالق ليعلن عن اسمه من خلاله لجميع البشر. لم يكن المقصود الإلهي خلق تيار سياسي يهودي محصور، بل نشر معرفة الله الأوحد. على مر القرون، خنقت الصهيونية الديانة اليهودية إلى أن حولتها إلى قومية يهودية. اعتقد العبرانيون أن عليهم أن يترجموا إيمانهم بخلق دولة قومية. اليهودية، أهي إيمان أم دولة؟ من وجهة نظر الله، الاثنان لا ينسجمان. كل المأساة تكمن هنا!

تاريخ تسييس اليهودية

اتخذت اليهودية صيغة سياسية في القرن الحادي عشر ق.م بعد دخول اليهود إلى فلسطين. منذ ذلك الوقت، أرادت الطائفة اليهودية أن تتحول إلى مملكة: “قال رجال إسرائيل لجدعون: إملك علينا، أنت وابنك وابن ابنك… فقال لهم جدعون: لا أنا أملك عليكم ولا ابني يملك عليكم، بل الرب الإله هو يملك عليكم” (قضاة 8، 22 – 23). فهم جدعون خطر مثل هذه الملكية السياسية ورفض المشروع، كما فعل يسوع من بعده، معلناً أن الله هو الملك الأوحد.

جرت محاولة ثانية بعد نحو قرن في أيام النبي صموئيل. هذه المرة، تمّت إقامة مملكة يهودية مع شاول كأول ملك، لكن خلافاً لإرادة الله الواضحة والنبي صموئيل. فقد اعتبر الله أن اليهود، بتأسيسهم مملكة، يخلعوه عن العرش كما أعلن لصموئيل: “… يرفضونني أنا كملك عليهم” (صموئيل الأول 8، 7).

بعد تنصيب شاول، دعا صموئيل الطائفة الإسرائيلية إلى التوبة والاعتراف بخطأهم لأنهم اختاروا بشراً ليكون ملكاً عليهم: “تعلمون وترون أنه عظيم شرّكم الذي عملتموه في عيني الرب بطلبكم لأنفسكم ملكا” (صموئيل الأول 12، 17). واعترف اليهود قائلين: “لقد زدنا على جميع خطايانا شراً بطلبنا لأنفسنا ملكاً” (صموئيل الأول 12، 19). تسييس اليهودية إذاً مدان منذ البدء، حتى من قِبَل الذين خلقوه.

بعد عدة قرون، ذكر الأنبياء اليهود بانحرافهم نحو السياسة. فقال الله من خلال النبي هوشع: “ينصبون ملوكاً ولا يستشيرونني. يقيمون رؤساء وأنا لا أعلم… (هوشع 8، 4). …أنا أهلككم يا بني إسرائيل، فمن يا ترى يعينكم؟ أين ملوككم فيخلصونكم؟ أين قضاتكم في كل مدنكم؟ قلتم لي: أعطنا ملوكاً كرؤساء علينا، فأعطيتكم ملوكاً في غضبي وأخذتهم في غيظي” (هوشع 13، 9 – 11).

بالفعل، قُضي على المُلك في إسرائيل بعد الغزو البابلي على عهد نبوخذنصر سنة 586 ق.م. دُمّر هيكل سليمان، نُفي اليهود إلى بابل، وانتهت الملكية، سلالة داود، منذئذٍ في إسرائيل (الملوك الثاني 25، 8- 12 / أخبار الأيام الثاني 36، 17- 21).

منذ ذلك الوقت واليهود يحنّون إلى هذه المملكة الداودية، متناسين كلياً أن الملك الأوحد هو الله. على مر القرون التي تلت الغزو البابلي، حاولوا مراراً وتكراراً أن يعيدوا إقامة مملكتهم في إسرائيل. كانوا يرون في المسيح الشخص الوحيد القادر على إعادة هذه المملكة الداودية. فأصبحت هذه المملكة الأرضية هاجسهم. مثل العجوزان سمعان وحنة اللذان كانا ينتظران بكل قواهما “خلاص إسرائيل” و “فداء أورشليم” (لوقا 2، 25 – 38).

في القرن الأول ق.م، في عهد الامبراطورية الرومانية، توصّل اليهود إلى إقامة مملكة بمساعدة الرومان. أول ملك كان هيرودوس الكبير الذي لم يحظى برضى الشعب لأنه لم يكن من سلالة داود، بل من سلالة المكابيين (من عشيرة لاوي). علاوة على ذلك، لم يكن هيرودس سوى عميل لصالح الرومان، نصّبه هؤلاء لتهدئة اليهود الباحثين عن مملكة.

غير أن اليهود كانوا يريدون مملكة يهودية مستقلة تحكمها عائلة مالكة من سلالة داود. كانوا يسعون إذاً للثورة على هيرودوس وعلى الرومان في نفس الوقت لإقامة هذه المملكة. لكنهم كانوا يعتقدون أنه أولاً وقبل كل شيء على المسيح أن يظهر ليجمع الشعب للقتال ضد الرومان. هذا التوق المتزايد لمملكة إسرائيلية يهودية حجب عنهم المفهوم الروحي بصورة تامة. لم يكن اليهود ينتظرون المسيح إلاّ “ليخلّص” إسرائيل عسكرياً، في سبيل إقامة إمبراطورية يهودية شاسعة، “إسرائيل كبرى” مشابهة لمملكة سليمان.

يوحنا المعمدان

عندما رأى الوطنيون يوحنا المعمدان ينتقد هيرودوس، ظنوا أنه المسيح المنتظر وتبعوه بحشود غفيرة. غير أن يوحنا كان يقول للجموع أن آخراً، أقوى وأهم منه، سيأتي من بعده (متى 3، 11 / لوقا 3، 15 – 20 / يوحنا 1، 26 – 37). لكن بالنسبة ليوحنا المعمدان، هذا المسيح الذي سيتبعه لا يمكن أن يكون إلاّ محارب محرّر. هو نفسه لم يكن يفهم تصرف يسوع، فعندما “سمع وهو في السجن بأعمال المسيح، أرسل إليه بعض تلاميذه ليقولوا له: هل أنت هو الذي يجيء، أو ننتظر آخر؟” (متى 11، 2 – 3). كان يوحنا يتوقع من يسوع أن يجمع الشعب للقتال. غير أن “أعمال” المسيح التي سمع بها كانت أعمال رحيم يسامح ويشفي، لا أعمال ثوري يهودي. هذه الأعمال الروحية لم تكن لترضي القوميين الذين كان يوحنا واحداً منهم.

لذلك، ومن دون أن يشك بأن يسوع هو مُرسَل إلهي، أرسل يوحنا إليه بعض تلاميذه ليسألوه إن كان هو المسيح المنتظر أو أن “عليهم أن ينتظروا (مسيحاً) آخر” ليقود الثورة؟ لم يكن يوحنا قد فهم البعد الروحي للتحرير. لهذا السبب قال يسوع إن يوحنا المعمدان، بسبب مفهومه المادي للملكوت، هو أصغر من أصغر واحد في ملكوت السماوات، لأن هذا الأخير فهم أن هذا الملكوت هو داخلي، في الروح. في حين أن يوحنا المعمدان نفسه لم يكن قد فهم ذلك (متى 11، 2 – 11).

حتى اليوم، كل الذين لا يدركون هذا البعد الروحي، هم أيضاً ينتظرون هذا “المسيح الآخر” لتجديد المملكة السياسية في إسرائيل.

يسوع

في زمن يسوع، كان اليهود قد فقدوا المفهوم الروحي للخلاص. أفضلهم كانوا يفهمون هذا الأمر من الناحية السياسية. لأنه بالنسبة لهم، كان على المسيح أن يولد من عائلة مرموقة أو ثرية وذات نفوذ في أورشليم، قادرة على تعبئة الشعب للقتال. بينما للمفارقة، خرج يسوع من عائلة متواضعة من قرية الناصرة البعيدة: “أمنَ الناصرة يخرج شيء صالح؟” (يوحنا 1، 46).

لم يرضي هذا النجار الفقير آمال الإسرائيليين المتغطرسة. فقد كانت مهمته الأساسية إعادة الديانة اليهودية إلى نقاوتها الروحية الأصلية بتحريرها من السياسة: “ما مملكتي من هذا العالم”، قال يسوع (يوحنا 18، 36). أراد الله، من خلال يسوع، أن يستعيد عرشه في قلوب المؤمنين. لم يكن على هذا الملكوت أن ينحصر باليهود وحدهم، بل بجميع البشر الصالحين في العالم أجمع.

أتى يسوع مُبشّراً بملكوت الله. آمن اليهود به عندما رأوه يصنع المعجزات، لكنهم كانوا يرون فيه المحرر السياسي والمحارب. فبدلاً من تلبية دعوته إلى التوبة، كانت ردة فعلهم أمام عجائبه قومية. أرادوا إرغامه أن يكون ملكاً سياسياً على إسرائيل، على تجديد مملكة داود، هو الذي ينحدر من سلالة داود. فيقول لنا يوحنا في إنجيله إن اليهود آمنوا بيسوع بعد معجزة تكثير الخبز، إذ قالوا: “حقاً هذا هو النبي الآتي إلى العالم”. لكن ردة فعلهم أمام هذه الأعجوبة لم تكن روحية، بما أن يوحنا يضيف قائلاً:

“عرف يسوع أنهم يستعدون لاختطافه وجعله ملكاً، فابتعد عنهم وعاد وحده إلى الجبل” (يوحنا 6، 14 – 15).

نلفت الانتباه إلى هذه النقطة التي تعبر بصورة غير ملحوظة: “يستعدون لاختطافه وجعله ملكاً، فابتعد عنهم”. فاليهود لم يأتوا “ليلتمسوا” يسوع، أو “ليقدّموا” له عرش إسرائيل، بل ليفرضوه عليه. لم يكن عنده من خيار آخر سوى الهرب من ما كان سيشكل خيانة لرسالته. ألم يرفض من قبل عرض الامبراطورية الإسرائيلية من الشيطان؟ (متى 4، 8 – 10).

في هذه الآيات تظهر مأساة يسوع، إذ أنه أمام إصراره على رفض مملكة إسرائيل، انتهى الأمر باليهود، بدورهم، إلى رفضه كمسيح.

حقد القوميون على يسوع واعتبروه غير وطني لأنه لم يضع قدرته العجائبية في خدمة الوطن والعرش. لهذا السبب اتهموه “بتضليل الشعب” (يوحنا 7، 12). ذلك أن اليهود، برؤيتهم أعمال يسوع وسماعهم كلامه، كانوا يبنون على آمال إصلاح وطني زائفة: “كنّا نأمل أن يكون هو الذي يخلّص إسرائيل” (لوقا 24، 21). عندما رأوا أن يسوع لا يرضي آمالهم وطموحاتهم السياسية، استنتج رؤساء اليهود أن عجائبه كانت بقدرة الشيطان (يوحنا 10، 20 / متى 12، 24 – 28). ونالوا أخيراً أن يُصلب لأنه، من خلال مسيحيته الروحية التي كانت تحمّس كثيراً من الناس، أصبح عقبة في وجه تحقيق أهدافهم السياسية والوطنية (يوحنا 7، 37 – 52 و12، 10 – 11).

مع ذلك، لم يكن يسوع أول يهودي يرفض إقامة مملكة إسرائيلية، مع العلم أن ذلك مخالف لإرادة الله. ألم يعلن جدعون، صموئيل والله نفسه موقفهم ضد تأسيس مثل هذه المملكة، “بما أن الله هو الملك الأوحد”.

واجه يسوع صعوبة كبيرة في تفسير مملكته الروحية لأصدقائه المقربين. في مناسبات عدة، كان يحضّر رسله لصلبه، لا للقتال ضد هيرودوس والرومان. المملكة التي كلمهم عنها لم تكن تمت للسياسة بأية صلة، ولغته لم تكن أبداً لغة قومية. لم يكن أبداً يتكلم عن مملكة داود بل عن ملكوت السماوات. كانوا يتوقعون منه أن يقول على سبيل المثال: “يا أبناء إسرائيل، يا نسل يعقوب الفخورين الشرفاء وورثة الأرض، اتبعوني، لا تترددوا في حمل السلاح وتحرير أرض أجدادكم، إلخ…”. بينما خطاب يسوع كان بالأسلوب التالي: “طوبى للمساكين في الروح لأن لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء… طوبى للرحماء… (متى 5، 1 – 12)… يشبه ملكوت الله رجلاً زرع زرعاً جيداً في حقله… (متى 13، 24) … أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم…” (متى 5، 43 – 45).
وللفريسيين الذين سألوه “متى يجيء ملكوت الله (أي مملكة داود، بحسب مفهومهم)، أجاب يسوع: لا يأتي ملكوت الله بمشهد من أحد، ولا يقال ها هو هنا، أو ها هو هناك، لأن ملكوت الله هو فيكم” (لوقا 17، 20 – 21). كون هذا الملكوت داخلي، فلا يجب من بعد انتظار ملكوت آخر خارجي. لا أحد في إسرائيل كان يتوقع مملكة أو مسيحية من هذا النوع. فقد جرف التيار القومي جميع اليهود، بمن فيهم الرسل.

لأجل إقامة هذه المملكة السماوية، كان لا بد من تحطيم فكرة المسيح السياسي. كان يسوع يعلم أنه لن يتوصل إلى ذلك إلا على حساب دمه. فكان يحضّر رسله لهذا الحل المأساوي: “سيسلم ابن الإنسان إلى أيدي الناس، فيقتلونه”. عندما سمع التلاميذ هذا الكلام “حزنوا كثيراً” (متى 17، 22 – 23)، إذ أنهم لم يكونوا يرون فيه سوى المسيح القومي، كما أنهم لم يكونوا يتخيلوا أنه سيهزم ويُقتل دون تجديد عرش وملكية داود.

كان من الصعب جداً على الرسل أن يفهموا البعد الروحي للملكوت مع أن يسوع قد بقي معهم ثلاث سنوات. وبعد قيامتة، ظهر لهم حيّاً إذ “تراءى لهم مدة أربعين يوماً يكلّمهم عن ملكوت الله” (أعمال 1، 3). بالرغم من ذلك، استمروا بالاعتقاد أن هذا الملكوت سياسي، فسألوه قبل صعوده إلى السماء: “أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟” (أعمال 1، 6). لم يبدأوا بفهم نية المعلم إلا بعد حلول الروح القدس عليهم (أعمال 1، 7 – 8 / 11، 15 – 18 / 15، 7 – 11).

كان على يسوع أن يستبدل مفهوم المسيح الصهيوني بمفهوم المسيح الروحي والعالمي في ذهنية رسله. كان عليه أن يقوم بعملية تطهير دقيقة. فقد انتظر سنتين قبل المباشرة بهذه المهمة الحساسة. كان عليه أولاً أن يتأكد من أن رسله كانوا ثابتين في إيمانهم به كمسيح، وأن يظهر قدرته من خلال العجائب ليكسب ثقة التلاميذ. هكذا آمنوا به بالفعل (يوحنا 2، 11 / 6، 14 ). فقط بعد ذلك سألهم: “من أنا في رأيكم أنتم؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. فقال له يسوع: هنيئاً لك يا سمعان بن يونا، ما كشف لك هذه الحقيقة أحد من البشر، بل أبي الذي في السماوات” (متى 16، 15 – 17). الخطوة الأولى، أي ضمان إيمانهم به كمسيح، تم إنجازها بهذه الطريقة. مع ذلك، لم يكن من الممكن لمسيحية يسوع بالنسبة لبطرس والرسل أن تكون سوى مسيحية قومية؛ إنه المسيح، نعم، لكن المسيح المحارب! فبطرس كان لا زال يحمل سيفه عندما تمّ توقيف يسوع! (يوحنا 18، 10 – 11).

الخطوة الثانية والأكثر دقّة التي كان عليه القيام بها كانت الكشف عن مسيحيته الروحية التي لم يكن حتى بإمكان الرسل حتى أن يتخيلوها. فبعد أن جعل يسوع تلاميذه يستوعبون صفته المسيحية، أصبح بإمكانه تحقيق الخطوة الثانية التي كانت ترتكز على إظهار وجهه الحقيقي كمسيح روحي، غير قومي. وهذا ما قام به عندما أعلن لهم للمرة الأولى عن موته القريب. كشف لهم ذلك “بدءاً من ذلك اليوم”، أي عندما عرفوا أنه المسيح، وليس قبل، كما يحدّد متى (متى 16، 21). كأنه كان يقول لهم: أنا المسيح، نعم! لكنني لن أعيد إقامة أية مملكة سياسية. كي تفهموا ذلك، سأسلم للموت قتلاً.

رد فعل بطرس العفوي كان رفض هذا الخبر المفاجئ: “لا سمح الله، يا سيد لن تلقى هذا المصير. فالتفت يسوع وقال لبطرس: ابتعد عني يا شيطان، أنت عقبة في طريقي، لأن أفكارك هذه أفكار البشر لا أفكار الله” (متى 16، 21 – 23). يعود رد فعل بطرس بالضبط إلى واقع أن الرسل لم يكونوا قادرين في ذلك الوقت أن يتصوروا أن المسيح، ملك إسرائيل المستقبلي ومخلّص الأمّة، سينتهي على صليب، مثل مجرم فظيع، هم الذين كانوا يتصورونه معتلياً عرش إسرائيل، مفتتحاً سلالة داوود الملكية الجديدة. المسيح، ملك اسرائيل، يموت على الصليب؟! كلا! أبداً! هو الذي سيخلع هيرودس عن العرش ويطرد الرومان! “فما فهم التلاميذ هذا الكلام وكان مُغلقاً عليهم حتى لا يدركوا معناه…” (لوقا 9، 44 – 45).

هذا المفهوم القومي، المترسّخ في ذهنية الرسل، يظهر في أحاديثهم الحميمة. عندما وصلوا إلى كفرناحوم، سألهم يسوع: “في أي شيء كنتم تتجادلون في الطريق؟ فسكتوا، لأنهم كانوا في الطريق يتجادلون في من هو الأعظم بينهم” (مرقس 9، 33 – 34).

سكوت الرسل كشف ارتباكهم أمام هذا السؤال. فهموا من طريقة طرحه أن يسوع “عرف ما في قلوبهم” (لوقا 9، 46 – 47). وأن المعلم وبخهم بنظرة. لقد أدركوا الهوة التي كانت تباعد بين مفهومهم المسيحي ومفهوم يسوع. فصمتوا خجلاً.

فيما بعد، عند دخوله إلى أورشليم، كرر يسوع للمرة الثالثة أنه سيُصلب. مباشرة بعد ذلك الإعلان، ودون أية شفقة، “جاءت إليه أم يعقوب ويوحنا ابني زبدي ومعها ابناها، وسجدت له تطلب منه حاجة. فقال لها ماذا تريدين؟ قالت: مر أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك وواحد عن شمالك في مملكتك” (متى 20، 21 – 21).

نلفت الانتباه إلى أن اقتراب المرأة حصل فوراً بعد الإعلان الثالث عن صلب يسوع. كان ما لبث أن كشف لهم قائلاً: “ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وسيسلّم ابن الإنسان إلى رؤساء الكهنة ومعلمي الشريعة، فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى أيدي الغرباء، فيستهزئون به ويجلدونه ويصلبونه، وفي اليوم الثالث يقوم” (متى 20، 17 – 19).

يكشف لنا الانجيليون أن هذا الكلام عن الآلام لم يخرق عقلية الرسل المعتمة: “فما فهم التلاميذ هذا الكلام وكان مغلقاً عليهم حتى لا يدركوا معناه، وتهيّبوا أن يسألوه عنه” (لوقا 9، 45 ومرقس 9، 31 – 32). إلى درجة أن لوقا يضيف بعد ذلك مباشرة: “ووقع بينهم جدال في من هو الأعظم فيهم” (لوقا 9، 46). معاناة المعلم كانت تتسلط عليها مطامحهم الدنيوية.

بقي هذا الجهل عند الرسل حتى يوم صعود يسوع إلى السماء. فبعد أن “تراءى لهم مدة أربعين يوماً بعد آلامه… سألوه (مرة أخرى) عندما كانوا مجتمعين معه: يا رب، أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟” (أعمال 1، 3 – 6). إن كنت أصر على هذه النقطة فذلك لأهميتها الكبرى. علينا أن ندرك جيداً الهوة التي كانت تباعد بين ذهنية الرسل وروح يسوع. فليس إلا بعد أن نالوا قوة الروح القدس حتى فهموا. فأصبحوا عندئذٍ قادرين أن يكونوا شهود يسوع المؤتمنين “في أورشليم واليهودية كلّها والسامرة، حتى أقاصي الأرض” (أعمال 1، 6 – 8).

هل يفهم المؤمنون اليوم أيضاً أن الملكوت المسيحي هو فينا؟ فهو ليس لا في الدول السياسية، ولا في المجد البشري. الفاتيكان، بإعلان نفسه دولة في سنة 1929 على غرار دول زمنية أخرى، شرع في خيانة عززها بالاعتراف بدولة إسرائيل في سنة 1992.

كان على الرسل أن يحصلوا من المعلم على غسل دماغ حقيقي، على “معمودية”. لم يكن يسوع قادراً على تغيير عقليتهم إلا على الصليب. فكان على مفهوم المسيح الصهيوني الذي كانوا يؤمنون به أن يموت. كان على يسوع أن يموت دون إعادة الملك في إسرائيل. عندئذٍ، إيمانهم به كمسيح ـ لا قومي، بل روحي وعالمي- سيستمر بالعيش فيهم؛ هذا ما لم يفهموه بالفعل إلا فيما بعد، بعد صلبه.

هكذا، بموت يسوع، إنهارت فكرة المسيح الصهيوني في عقول تلاميذه. بموته، انتصر يسوع على الموت، ألا وهو هذه القومية العنصرية: “أنا غلبت العالم”، قال يسوع عشية صلبه (يوحنا 16، 33).

بعد موت يسوع، استمر الرسل بالفعل بالإيمان به كمسيح مكتشفين كذلك البعد الروحي والعالمي للخلاص. فلم يعد الله حكراً على اليهود وحدهم، بل هو لجميع البشر: “أفيَكون الله إله اليهود وحدهم؟ أما هو إله سائر الأمم أيضاً؟ بلى، هو إله سائر الأمم” (رومة 3، 29). غير أن القوميون القساة، الذين كان يسوع بالنسبة لهم سبب سقوط (متى 11، 6) و “حجر عثرة” (رومة 3، 29)، صُدِموا بقلّة “وطنيته” ونكروه.

هناك ما يدعو إلى التمييز بين قومية دينية مذنبة، ابتُدعت باسم الإيمان – وهذه يدينها الله- وبين وطنية شرعية مستقلة عن الإيمان.

تجدر الملاحظة أن المسيح الصهيوني يمثل كل روح مادي ومسيطر. خدع هذا الروح عدداً لا يحصى من المسيحيين على مر القرون، الذين لم يفهموا شيئاً من صلب المسيح. جميع الماديون يتبعون روح المسيح الصهيوني ويموتون في خطاياهم. هذا هو حال اليهود الذين رفضوا في الماضي وما زالوا يرفضون اليوم أن يؤمنوا بيسوع (يوحنا 8، 21 – 24). يكرر يسوع اليوم أيضاً لجميع البشر: “إن لم تؤمنوا أني أنا هو (المسيح)، تموتون في خطاياكم” (يوحنا 8، 21 – 24).

يهوذا

أما بالنسبة ليهوذا الإسخريوطي، الرسول المزعوم الذي خان المسيح، فهو لم يتبع يسوع لاقتناع روحي، بل لمنفعة مادية. يبرز ذلك في كلام يوحنا عنه: “كان سارقاً وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يلقى فيه” (يوحنا 12، 6).

كان يهوذا يظن أن يسوع هو المسيح القومي. مطمحه الوحيد كان أن يرى يسوع يجدد المملكة الداودية، ليكون له فيها مركزاً مرموقاً (كوزير للمال مثلاً). عجائب يسوع وخطابه الروحي لم تثير فيه أي اهتمام روحي. لم يكن يرى في ذلك إلا وسيلة لإعادة المملكة السياسية ولتحقيق مطامحه المادية الخاصة.

تظهر لامبالاة يهوذا المقنّعة إزاء أعمال وتعاليم المسيح في حكم يسوع عليه بعد أعجوبة تكثير الخبز وكلامه عن خبز الحياة: “لكن فيكم من لا يؤمنون. كان يسوع يعلم منذ بدء الأمر من هم الذين لا يؤمنون ومن الذي سيسلمه… فتخلى عنه من تلك الساعة كثير من تلاميذه وانقطعوا عن مصاحبته. فقال يسوع للتلاميذ الاثني عشر: وأنتم أما تريدون أن تتركوني مثلهم؟ فأجابه سمعان بطرس: يا رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟… فقال لهم يسوع: أما اخترتكم، أنتم الاثني عشر؟ لكن واحد منكم شيطان! وعنى بذلك يهوذا بن سمعان أسخريوط، فهو الذي سيسلمه، مع أنه أحد الاثني عشر” (يوحنا 6، 64 – 71).

كان الأجدر بيهوذا أن ينسحب من تلك اللحظة مع غير المؤمنين أمثاله. إن بقي مع المجموعة، فذلك أيضاً، وفقط، لأمله بتحقيق غاياته المادية. عندما تأكد يهوذا بأن يسوع لم يكن ينوي أن يقيم مُلكاً سياسياً، وأنه لن يجني منه مكسباً، قرر أن يسلمه (يوحنا 13، 2).

منفعة يهوذا المادية تتغلب على أي اعتبار آخر، هذا ما يظهر في رغبته تسليم يسوع ليجني على الأقل بعض الربح المالي. فبالفعل، “ذهب إلى رؤساء الكهنة (الذين كانوا يتربصون للقبض على يسوع بالحيلة) وقال لهم: كم تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟ فوعدوه بثلاثين من الفضة” (متى 26، 14 – 15).

يهوذا الإسخريوطي هو تجسيد لمأساة يسوع الناصري.

الرسل بعد الصليب

كان تلميذا عماوس مذهولين بعد صلب يسوع، وخائبين من موته لأنهما، كما قالا: “كانا يأملان أن يكون هو الذي يخلّص إسرائيل” (لوقا 24، 21). ذلك أنهما كانا يتوقعان خلاصاً سياسياً.

عند صعود يسوع إلى السماء، لمّا رآه الرسل، “سجدوا له، لكن بعضهم شكّوا” (متى 28، 17). ما كانت طبيعة هذا الشك؟ لقد شكّوا بأنه المسيح لأنه لم يعيد تجديد مملكة إسرائيل. لذلك السبب عادوا فسألوه في تلك اللحظة: “أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟” (أعمال 1، 6).

يهود اليوم الحاضر

اليوم، تتجدد مأساة يسوع من خلال انبعاث القومية اليهودية المتجسدة في دولة إسرائيل. ضللت هذه الدولة عدداً كبيراً من المسيحيين وحملتهم على دعمها بصورة عمياء. وذلك على الرغم من تحذير يسوع: “انتبهوا لئلا يضللكم أحد… فإذا رأيتم رجاسة الخراب قائمة في المكان المقدس (الأرض المقدسة، أورشليم القدس)… فلا تتبعوهم…” (متى 24، 4 – 15 / لوقا 21، 7 – 8). ومع ذلك راحوا يتبعونهم…!!

كيف يمكن إقناع اليهود، والصهاينة على وجه الخصوص، أن يسوع الناصري هو المسيح الذي ينتظرون؟
كيف السبيل إلى إقناعهم أن المُلك الذي يطمحون إليه هو روحي ولجميع البشر؟
كيف نحملهم على التخلي عن دولة سياسية صهيونية يطمحون من خلالها أن يملكوا على العالم؟
طوبى لليهود الذين يسمعون صوت المسيح المصلوب، الوحيد القادر على إعطاء السلام الحقيقي.