تعليقان صريحان، أحدهما داعم، والآخر رافض، أعقبا صدور كتاب “نظرة إيمان بالقرآن الكريم”.
التعليق الأول عبارة عن مقال بقلم الشيخ ز.ي (رئيس دائرة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى). كان على هذا المقال الداعم أن ينشر في إحدى الجرائد العربية الإسلامية، لكن مُنع نشره. فما كان من صاحب المقال إلا أن أرسل نسخة عنه، ممهورة بتوقيعه إلى بطرس. هذا مضمونها:

التعليق الأول: مقال الشيخ ز.ي

كتاب “نظرة إيمان بالقرآن الكريم”: كتاب جديد للعالِم المسيحي بطرس، انتهى منه في 13. 10. 1984، وهو يقع في 136 صفحة من الحجم الوسط، وقد قسّمه إلى أربعة أبواب:
الباب الأول: الرجوع إلى النص القرآني.
الفصل الثاني: نقاط الجدل
الفصل الثالث: أهم نقاط الالتقاء
الفصل الرابع: دعوة إلى التفكير

والمؤلف يذكر في المقدمة الآية الشريفة: [ يا أيها الذين أوتوا الكتاب (أي التوراة والإنجيل) آمنوا بما نزّلنا (أي القرآن الكريم) مصدِّقاً لما معكم…] (قرآن 4؛ النساء، 47).
ويقول إن هذا الكتاب دراسة موجزة للمفهوم الأصلي للوحي الإلهي، وهذه الدراسة تدعو إلى الانفتاح بإيمان على القرآن الكريم ومنه على الإنجيل والتوراة اللذين يصدِّق عليهما القرآن، لأن القرآن الكريم يؤكّد أنه لسابقيه [ مصدِّقاً ] لا ناقضاً لقوله سبحانه للمؤمنين: [ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا (أي القرآن) وأنزل إليكم (أي التوراة والإنجيل) ] (قرآن 29؛ العنكبوت، 45).
ويقول: “وأرجو القارئ أن ينفتح على مضمون كتابي هذا بموضوعية، مترفعاً عن ذهنية الطائفة التي ينتمي إليها، وعن كل ذهنية طائفية ضيقة. فهدفنا هو التخلص من روح الطائفية والعنصرية الدينية الشريرة التي اندسّت فينا جميعاً بلا وعي منا، والتي لا يمكننا التخلص منها إلا بواسطة المعرفة، معرفة حقيقة ما جاء في الوحي، والتي هي كفيلة بتحريرنا من براثن التقاليد والأفكار المنحرفة عن تعاليم الكتاب والقرآن الكريم”. ويستشهد المؤلف بالآية الكريمة: [ الذين آتيناهم الكتاب من قبله (أي قبل القرآن) هم به يؤمنون (أي بالقرآن) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه (أي القرآن) الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين ] (قرآن 28؛ القصص، 52).
ويضيف المؤلّف: “وإن ما يُعزّي قلب كل مؤمن أصيل بالنسبة للآية المتقدمة، هو انفتاح المسيحيين بلا تعصب على القرآن الكريم، وبركة المولى المضاعفة عليهم عند إعلانهم أنهم مسلمون من قبل القرآن الكريم. إن المسيحي إذا أعلن أنه مسلم من قبل القرآن، لأثار عليه نقمة مسيحيين ومسلمين تقليديين كثيرين، وهنا تظهر الهوة بين الأصل الذي قصده الله تعالى والتقاليد البشرية المنحرفة التي أفرزها البشر”.
ويستغرب المؤلف قائلاً: “وإنه بالرغم من شهادة القرآن الكريم للتوراة والإنجيل مراراً وتكراراً، فقد تطرّق علماء كثيرون إلى تفسير آياته الكريمة بمعزل تام عن [ الكتاب ] وكأنهم يستنكفون منه بل ويفتخرون بذلك. لذا أتت تفسيراتهم غريبة عن منطق الوحي، تحمل في طياتها بذور الانشقاق والتفرقة بين الأخوة رغم أن القرآن قد طلب عدم التفرقة بين الأنبياء ولا بين ما أنزل إليهم: [ لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا (عندما تلتقون معهم) أمنا بالذي أنزل إلينا (القرآن) وأنزل إليكم (الكتاب) وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ] (قرآن 29؛ العنكبوت، 46).
ويضيف بالقول: “إن كل من قرأ الكتاب والقرآن بموضوعية، وبل تشنج، ازداد علماً وبصيرة، ذلك أن بعض القصص الكتابية وردت أيضاً في القرآن الكريم ابتداءً من خلق العالم ومروراً بنوح وابراهيم والأسباط ونقض اليهود للميثاق الإلهي، وذكر السيد المسيح بكل تجلّة واحترام وتقدير في القرآن الكريم. فلماذا النفور إذن من أحد الكتابين، خاصة وأننا نجد في الكتاب مزيداً يوضح ما جاء في القرآن الكريم.
إن كثيرين ممن يجادلون في الدين يفعلون ذلك بدافع من الحماس ولكن بغير علم بما جاء في الكتب المنزلة، فيوقعهم حماسهم الجاهل في شباك التعصب، وهذا التصرف مكروه عند الله وعند رسله المكرمين.

ثم يقول: “إننا كمسيحيين نفهم جوهر الإسلام من منطلق تعريف القرآن الكريم له، منزهين إياه عن الملامح التقليدية التي تطفلت عليه على مدى القرون والأحداث فشوهت صفاء وجهه. كم ندرك تماماً أن المسلم في نظر القرآن الكريم هو [ من يسلم وجهه إلى الله – وهو محسن – فقد استمسك بالعروة الوثقى ] (قرآن 31؛ لقمان، 22). إنما هناك من يسلم وجهه لله لكنه غير محسن، لكن طوبى لكل مسلم أسلم وجهه إلى المولى عز وجل ثم أحسن بالكد والاجتهاد والفهم وقراءة كتب المولى سبحانه، طوبى لذاك الإنسان أكان من معشر المسلمين أم من معشر المسيحيين أم من الأمم.
ويعود المؤلف للتأكيد: “إن دراستي تهدف إلى بث روح الوفاق بين المؤمنين الصالحين، غير المتعصبين، من مختلف الطوائف دون مساومة. والمؤمنون من سائر الطوائف الذين سيفلحون في التخلص من أفكارهم الموروثة سيدركون بعد مطالعة كتب الوحي الإلهية الكريمة بهدوء وبمعزل عن أجواء التحدي والاستفزاز والمصالح الشخصية، أنها واحدة بمعناها وواحدة بمصدرها أي من إله واحد، وسيكتشفون بفرح أنهم أخوة متعانقون، بعد ظنهم أنهم أعداء متقاتلون.
ويقول بطرس: “لقد سمّيت كتابي هذا “نظرة إيمان بالقرآن الكريم” لأني في نظر الناس مسيحي والناس تعتقد أن المسيحي لا يؤمن بالقرآن الكريم، مع أن القرآن الكريم ليس حكراً على أحد، فهو وحي الله لكل من يعشق الحياة الروحية، ويصبوا إلى المقام الأعلى والسمو بمجالسة رب العالمين، ليحيا من نفحته تعالى وبحضرته الأبدية.
إنني مؤمن بالله ومسيحه وبمحمد، وأؤمن أن هناك طائفتين لا ثالث لهما، طائفة المؤمنين المباركين المتنورين، وطائفة المتعصبين المرذولين من كل أمة ومن كل دين”.
ونحن بدورنا نحيّي في بطرس هذه الروح الكريمة وهذه اللفتة الطيبة، كما حييناها من قبل في سعادة السفير نصري سلهب آملين المزيد من هذه الكتابات المؤمنة التي لها ما بعدها.

تلخيص الشيخ ز.ي

التعليق الثاني: الرد على مقالات الشيخ ق.ر

يتكوّن التعليق الثاني من سلسلة من خمسة مقالات كتبها الشيخ ق.ر ونشرت في مجلة عربية. ردّ بطرس في إحدى الجرائد على المقالات الأربعة الأولى:

وحدة الوحي، لا التوفيق
سماحة الشيخ ق.ر المحترم. بعد التحية، أفيدكم بأني قرأت في إحدى المجلات ردّكم على كتابي “نظرة إيمان بالقرآن الكريم: وحدة الوحي الكتابي-القرآني”. إنني أجيب سماحتكم، لأنني طُولبت، وبإلحاح، من قبل أصدقاء مسلمين حميمين أصيلين اقتنعوا من أجوبتي لهم. فطالبوني بالرد لئلا يتوهم البعض – ومنهم سماحتكم – أن سماحتكم على حق فيما تقولون.
ليسمح لي سماحتكم ببعض الملاحظات.
لقد قلتم إن المؤلّف “حاول جاهداً التوفيق بين النصوص التوراتية والإنجيلية والقرآنية. وأنّى له ذلك؟… والحق أن اسلوب التوفيق لديه تعثّر في خطواته وجانبَ الحقيقة في مضمونه حتّى أصبح تلفيقاً لا توفيقاً”. وقد أوردتم كلامكم هذا في مقدمة كل عدد من المجلة المذكورة. أرى أنكم قد وفّقتم في إيجاد سجعاً بين كلمتي التلفيق والتوفيق. وأهنئكم على ذلك! لكن هدفنا ليس السجع وعنده يتوقف توفيق سماحتكم.
وذلك لأنني، في كتابي المذكور، وخلافاً لما تقولون، لم أحاول جهداً واحداً، للتوفيق. فهذا لا يكون إلا في أمور متناقضة أو متنافرة. ليس هذا حال كتب الوحي. إن القول بالتوفيق بين الكتب المنزلة يعني الاعتراف بعدم انسجامها مع بعضها. وهذا بالطبع، ليس الحال في موضوعنا. لذلك أراكم على حق إذ تقولون عن محاولات المؤلف في التوفيق “أنّى له ذلك؟” فالأمر غير وارد إطلاقاً. إنني أحاول التوفيق بين المؤمنين بكتب الوحي، لا بين تلك المنسجمة مع بعضها أصلاً، أفلذلك تلومونني؟ إن كانت هذه المحاولة خطيئة، فأنا أستحق الجحيم. فغيرتي، نعم، كبيرة في أن أرى المؤمنين متفقين متحدين ملتفين بمحبة حول الله الواحد الذي لا إله إلا هو.
وكيف لا يكون هناك انسجام بين كتب الله، والقرآن الكريم يعلن بصراحة أنه للكتاب مصدّق، لا مناقض، وإن إله القرآن وإله الكتاب واحد كما أوضحت في كتابي مستنداً إلى الآيات القرآنية التي ذكرتها فيه وأعيد ذكرها:

[ يا أيها الذين أوتوا الكتاب (التوراة والإنجيل) آمنوا بما نزّلنا (القرآن) مصدِّقاً لما معكم (القرآن) ] (قرآن 4؛ النساء، 47).

ما كان مع أهل الكتاب آنذاك، في القرن الميلادي السابع، هو الكتاب في نصه الحالي. فهل يصدِّق القرآن على تزوير حدث في نظركم في القرون الميلادية السابقة؟
وقول القرآن أيضاً لأهل الكتاب: [ إلهنا وإلهكم واحد (هو نفسه) ونحن له مسلمون ] (قرآن 29؛ العنكبوت، 46).
إن الاستنتاج المنطقي من كلام الوحي هذا هو أن الإسلام لإله القرآن يعني الإسلام لإله الكتاب الذي كلنا [ له مسلمون ]. ولذلك اعتبر القرآن أن الحواريين، رسل المسيح عليه السلام، هم مسلمون، من قبل نزول القرآن. المنطق السليم يقودنا إلى الاستنتاج بأنه من إله واحد ينحدر وحي واحد، ومقصود إله واحد، ومخطط خلاصي واحد، يجب البحث عنهم جاهدين وبلا ملل حتى نكتشفهم بإذنه تعالى منتصرين منشرحين. فالمقصود الإلهي واحد وإن اختلف أسلوب الوحي وشكله وقالبه الوارد إلينا طبقاً للمجتمع والمكان والزمان والبيئة النازل فيها الوحي. لأنّ الله – كما يعلم سماحتكم – يكلّم كل قوم بلسانه الخاص، أي بذهنيته. كما يقول تعالى في القرآن الكريم: [ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم ] (قرآن 14؛ إبراهيم، 4).
لذلك، ما حاولت جاهداً البحث في أمره هو “وحدة الوحي” الموجودة أصلاً في الكتب السماوية التي أوحاها الله الواحد بألسنة تختلف مع اختلاف القوم المنزل إليهم الوحي. إنني لم أبحث إطلاقاً في التوفيق بين تلك الكتب المنزلة كما يقول سماحتكم، وأنّى لي ذلك؟! وأنّى لي ذلك وهي متفقة أصلاً. وإن مجهودي يظهر من عنوان كتابي “وحدة الوحي الكتابي-القرآني، وليس “التوفيق بين الكتاب والقرآن”.
ولذلك لم أفهم سبب انفعال سماحتكم، خاصة وقد أثنى على كتابي مؤمنون محترمون ومثقّفون كثيرون منهم مشايخ مسلمون أجلاء وحكماء يعرفهم سماحتكم ويعرفونكم جيداً. ثم أنني سبقت ونبّهت القارئ الكريم المنتبه، ومنذ مطلع المقدمة في الصفحة 1 أن “هذا الكتاب دراسة موجزة للمفهوم الأصلي للوحي الإلهي، وهذه الدراسة تدعو إلى الانفتاح بإيمان على القرآن الكريم، ومنه على الإنجيل والتوراة اللذين يصدِّق عليهما القرآن. إنها نظرة إيمان بالوحي إجمالاً، تهدف إلى توحيد الوحي الكتابي-القرآني، أو بالأحرى إلى اكتشاف وحدة الوحي الموجودة بين نصوص التوراة والإنجيل والقرآن الواردة إلينا اليوم، إذ أن القرآن يؤكد أنه لسابقيه مصدِّقاً، لا ناقضاً… إلخ.
إذاً، وكما يلاحظ القارئ المتنبه، فإن خط البحث في كتابي واضح منذ مطلعه، وهو اكتشاف وحدة الوحي الموجودة أصلاً في الكتب المنزلة، لا محاولة التوفيق بينها.
إسمحوا لي الآن يا سماحة الشيخ بالتعبير عن أسفي وخيبة أملي ـ وأمل كثيرين معي – من أسلوب الحقد والاحتقار والاستفزاز الذي اتبعتموه في ردّكم علي ـ لا لأنني اعتبر نفسي شخصية ما، ولست كذلك، بل لأني مجرد شخص، إنسان يجهله سماحتكم، وله كرامته ككل إنسان. لم يتصرف مثلكم النبي محمد (ص) يوماً، بل بالتي هي أحسن، وقد أوصى بها المؤمنين. كنا نتوقّع من رجل دين أن يجادل أو يحاور، بالتي هي أحسن، عملاً بوصية الله في كتابه العزيز، خاصة وأنكم قد صرحتم في مقدمة ردّكم بأنكم “مستعينين بالله العلي القدير، ضارعين إليه أن يلهمكم الصواب والاستعانة بالمنطق السليم”. إلاّ أنني رأيتكم تستعينون بالشعراء والفلاسفة والعلماء، لا بالله. فبالله كيف تنعتوني بالتلفيق وأنا أستند إلى كلمته تعالى في كتابه المنير، لا إلى أفكار البشر؟
وإنكم، يا سماحة الشيخ الفاضل، قد حاولتم قدر استطاعتكم، وأرجو أن يكون ذلك عن حسن نية، تشويه مضمون كتابي دون ذكر أي إيجابيات، فقدمتم عقيدة “التثليث” وكأني أؤمن بآلهة ثلاثة، وقد شجبتُ هذه العقيدة القبيحة في كتابي. وتكلمتم عن ألوهية “جسد” السيد المسيح وأنا أتكلم عن الروح التي حركت هذا الجسد المخلوق كجسد آدم، وعن سبب اعتبار السيد المسيح “روح الله”، دون سواه، في القرآن الكريم.
لذلك أقول أنكم حاولتم تشويه مضمون كتابي، مبرزين منه نصف نقاط. ودافعتم بحماس عن وحدة الله وأنا أؤمن بها دون تبشيركم وقبل مجهودكم لإثباتها طولاً وعرضاً، فشوهتم من مضمون كتابي ما طاب لكم أمام من يجهل هذا الكتاب، دون ذكر أي إيجابيات، وكأن كتابي هذا لا يحتوي إلا عدواناً وكراهية للقرآن وللإسلام وللحقيقة. مع أن العكس تماماً هو الصحيح. وكفاني بشهادة الضمير وبدعم الأصدقاء الحميمين المسلمين حقاً، لا شكلاً. وسامحكم الله يا سماحة الشيخ ق.ر المحترم.
إلاّ أنني أرجو كل قارئ كريم الاطلاع على كتابي قبل أن يبدي رأياً. (هذا الكتاب موجود اليوم على موقع pierre2.net).
إنني أنتهز الفرصة لإحاطة سماحتكم والقارئ الكريم علماً بأن كتابي قد ترجم إلى الفرنسية، وهو في صدد الترجمة إلى لغات أخرى كالإنكليزية والألمانية والإيطالية بإذن الله تعالى. وإنه قد زرع في قلوب كثيرين من المؤمنين في الغرب محبة القرآن ونبيّه العزيز والإسلام. ويساهم في طعن التعصب الأعمى، في الغرب خاصة، لأنه يقدم وجه القرآن في صفائه، ووجه محمد (ص) في نزاهته، ووجه الإسلام في براءته، لا الإسلام المتعصب المنشق على نفسه والمغلوب على أمره كالمسيحية من جراء حقد المتعصبين من أتباعهما. ولذلك تبتهج روحي في روح الله تعالى من هذه الترجمات لأن الإيمان، والكتاب، والقرآن، والرسل، والمسيحية والإسلام ليسوا ملك أحد من الناس، ولا يحصرهم أحد مهما كانت درجته وثقافته.
ولذلك لا بد من التوقف هنا عند ما قاله سماحتكم في العدد الثامن من المجلة: “كان كل نبي يفسخ شريعة من قبله لاختلاف العهود والأزمان، إلى أن ختم الله النبوءة وأكمل الرسالة بخاتم أنبيائه ورسله محمد صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم. ففسخت شريعته شريعة عيسى عليه السلام الذي ليس بينه وبين نبيّنا (محمد) نبيّ آخر. وبهذا نعلم أنه لا يجوز العمل إلا بالإسلام”.
غريب اعتباركم يا سماحة الشيخ أن النبي محمد (ص) هو “نبيّكم”، حيث تقولون “نبيّنا”، لأنّه نبي الله، ونبي العالمين والمؤمنين به كافة، وأنا منهم، وإنه ليس ملك أحد، بل نحن له. لا يمكن لطائفة من الطوائف أن تقول عن رسول الله إنه “رسولنا”، أو عن نبي إنه “نبيّنا”، أو عن المسيح إنّه “مسيحنا”، فهم أعظم من أن يحصرهم ويحتكرهم البشر. فالإيمان والرسل والله للجميع، إن شاء البعض أم أبوا!
ثم إنكم، يا سماحة الشيخ، تذكرون “شريعة عيسى” عليه السلام. ليس لعيسى شريعة سوى “شريعة” المحبة والإنصاف وحكم الضمير الناضج. فكيف يمكن فسخ شريعة كهذه؟ وهل تكلم القرآن عن فسخ شريعة عيسى أم هي من أفكار الناس؟ يقول الإنجيل: “إن الشريعة أعطيت بموسى وأمّا النعمة والحق فبيسوع المسيح حصلا” (إنجيل يوحنا 1، 17).
أمّا قولكم إنه لا يجوز العمل إلا بالإسلام، وأن “الدين عند الله الإسلام”، فأنا ممن يبشرون بهذا وبإيمان حي حار، إنما أبشر بالإسلام القرآني لا الطائفي المتعصب المنشق والمغلوب على نفسه.
قال الرسول محمد الحبيب: “ويلكم انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض” (كتاب “منهل الواردين” لسماحة الشيخ صبحي الصالح حديث رقم 204). فأين الإسلام اليوم يا سماحة الشيخ؟ أتراه في الطوائف المتناحرة؟ أين الإيمان اليوم؟ وأقولها بأسف وحزن لأن حبي للإيمان بالله الواحد وللإسلام وللقرآن – إن صدّقتم أم لا، عميق لكنه حزين. عن أي إسلام يتكلم سماحتكم؟ فأنتم في وادٍ وأنا في آخر… أتأمل آسفاً بحديث النبي الحبيب محمد حيث قال: “سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه. يسمّون به وهم أبعد الناس عنه”. لقد أتى على الناس هذا الزمان ـ زمان ظهور قوى الشر التي تتمثل بالكيان الإسرائيلي الدجال. ذاك الكيان الذي يبشّر بالمسيح الصهيوني ويكفر بالمسيح عيسى. إن مسيح إسرائيل هو “المسيح الدجال” الذي تنبأ به الإنجيل والنبي محمد (ص). ومن الأحاديث الكثيرة التي وردت لنا عن هذا الموضوع قول الحبيب محمد:
“غير الدجال أخوفني عليكم. إن ظهر وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم. وإن ظهر ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم”. (حديث 1806 – “منهل الواردين”)
لقد ظهر الرجل الصهيوني الدجال مضللاً البشرية وحبيب المؤمنين ليس فينا. فكل منا حجيج نفسه والله هو خليفة محمد الوحيد في يومنا هذا حتّى نهاية العالم. أقول لكل من يدّعي أنه خليفة محمد (ص): “إنك على خطأ، هذا غير صحيح، فقد نبّهنا الحبيب هو بنفسه أن الآن ليس له سوى الله خليفة له”. أؤمن، وعقيدتي هذه راسخة، أننا وصلنا إلى الزمن الذي فيه يجب على كل امرء أن يبحث لنفسه عن حجة صالحة تبرر ضميره وإيمانه أمام الله. فهو تعالى الذي يأخذ زمام الأمور وهو تعالى مرشد كل مسلم، وأنا منهم.
دعوني أذكّر سماحتكم بما جاء في سورة الحجرات الآية 14: [ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم ]. إن هذا الإسلام “الأعرابي” هو المنتشر اليوم وقد حذرنا منه نبي الإسلام الحبيب، وهو الذي أشجبه وأفضحه. فما أكثر “الأعراب” في يومنا هذا مما قالت: “آمنا وأسلمنا”. لكنهم لم يؤمنوا وأسلموا الوجه لإسرائيل عدوة الله. ولم يسلموه لله، والأمثلة كثيرة كثيرة في البلاد العربية. ولست وحيداً في أسفي وحزني على خيانة المسلمين للإسلام الحقيقي، ولا وحيداً في ألمي من خيانة المسيحيين للمسيحية الحقيقية.
إنني قد استندت في بحثي على كلام الله وتوجيهاته تعالى، عاملاً بوصيته بأن لا يُبحث في الأمور الدينية إلا انطلاقاً من “كتاب منير”. والكتاب المنير الذي اتخذته لي مرشداً هو القرآن الكريم كما ذكرت في الصفحتين 27 و 28 من كتابي حيث قلت: “يفرض الله الحذر على المؤمنين في البحث في الأمور الروحية، والاستناد دائماً إلى ما ورد في كتب الوحي، لا إلى الشائعات التي يروجها مفتعلو الفتن. فيقول تعالى: [ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ] (قرآن 22؛ الحج 8). إن الكتاب المنير الذي نستعين به لاستيعاب روح القرآن هو القرآن نفسه”.
أمّا سماحتكم، فقد استندتم في ردّكم علي ـ محاولين برهنة تزوير الإنجيل ـ إلى أقوال “العلماء الغربيين” دون الشرقيين كالشيخين محمد عبده والأفغاني اللذين آمنا بصحته. كم كنت أود من سماحتكم، وأنتم رجل دين، أن تجاوبونني من النصوص القرآنية في الكتاب المنير، فهي وحدها كفيلة بأن تقنعني. وقد نبّهت قارئ كتابي أن أحد المبادئ التي أتمسك بها في بحثي، وذلك لأني متمسك بالإيمان قبل كل شيء، يشتمل على العودة دوماً إلى النص القرآني لتجنب الضلال. إن القارئ الهادئ الرصين لا بد وأن يكون قد لاحظ هذه النقطة التي ـ في تقديري – هي في غاية الأهمية. وتجدون هذا المبدأ الأوّل المتبع في دراستي والمذكور في صفحة 11 من كتابي.
إن “العلماء” الذين لجأ إليهم سماحتكم قد أضلّوا أناساً كثيرين. فأنا لا أصغي لهؤلاء، مهما أبدوا من علم وثقافة. وأفضّل عليهم الكتاب المنير وإرشاداته.
لقد حاولتم جاهدين ـ وبتصميم استغربته واستغربه معي آخرون ـ البحث عن اثباتات غير قرآنية لتبيان تزوير الكتاب، والإنجيل بالأخص، وكأنكم تحقدون عليه. إن عملكم هذا قد شجبه الله في قرآنه الكريم الذي ـ كما سأبيّن فيما بعد ـ يعتبر أن من يكفر بالإنجيل [ أولئك هم الخاسرون ] (قرآن 2؛ البقرة 121). لقد تجنبتم الاستناد إلى القرآن وذكرتم لوائح من أسماء “علماء” التزوير الغربيين الذي يطعنون فيه. فليسمح لي سماحتكم بلفت النظر إلا أمور أربعة:
أولاً: إذا وجدتم إثباتاً لتزوير الإنجيل ـ ولن تجدوا ـ فتكونون قد نقضتم القرآن المصدّق له. إنكم تذكرون ترجمة الـ “فولكاتا” (Vulgata) (بالفاء، لا “مولكاتا” بالميم، كما ورد في ردّكم) وهي ـ كما يعلم سماحتكم ـ الترجمة التي قام بها القديس “جيروم” (Jérôme) ثم نقّحها بعد أن ترجم العهد القديم من العبرية والعهد الجديد من اليونانية كليهما إلى اللغة اللاتينية التي كانت اللغة العامية في القرن الميلادي الرابع. إن ترجمة الكتاب لا تعني تزويره – وقد سمّيت الترجمة “فولكاتا” ـ أي “الشعبية” ـ لأنها أتت بلغة الشعب الذي ما كان يفهم العبرية ولا اليونانية. فما الضرر من هذا، وأين التزوير؟ وما الضرر من تنقيح النص وتحسينه بعد إنجازه؟ هذا هو النص الذي كان موجوداً في زمن النبي محمد (ص) والذي وافق عليه المجتمع الفاتيكاني المنعقد في بلدة “ترانتا” في إيطاليا سنة 1546م، وهو النص الموجود مع كل الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذوكسية. إلا أن البروتستانت يرفضون منه سبعة كتب ـ معترفين بأن كل سائر الكتب قانونية لا تزوير فيها. والكتب السبعة المرفوضة من البروتستانت هي على أساس أنها غير موحى بها ـ لا لأنها مزورة، وهي على كل حال لا تحتوي على أي عقيدة أساسية، وهي من العهد القديم. أمّا عن كتب العهد الجديد، فالطوائف المسيحية كلها متفقة على كتبه وصحته.
ثانياً: هؤلاء “العلماء” الذين ذكرتهم سيادتكم ليسوا سوى حلقات من سلسلة عملاء الصهيونية العالمية والماسونية الدولية الملحدة الملتحقة بها. كثيرون من هؤلاء العملاء تسللوا إلى السلك الكهنوتي المسيحي، والكاثوليكي بالأخص، بهدف البلبلة ونشر عقيدة التزوير الذي منها القرآن براء. إن أقوالهم ليست جديدة وقد جاوب على افتراءاتهم علماء كتابيون كثيرون مثل “جان دانيالو” Jean Daniélou و “كارل راهنر” Karl Rahner و “بول كلوديل” Paul Claudel ومعهد علماء الكتاب المقدس للرهبان الدومينيكان في دير القديس استفانوس في القدس… وقد فصل منهم الفاتيكان الكثيرين، وحذّر الآخرين. وكذّبتهم الكشوفات الأثارية الحديثة التي عثرت على نصوص كتابية تعود إلى 200 سنة ق.م مؤكدة صحة نص العهد القديم، وأخرى من الإنجيل تعود إلى القرون الميلادية الأربعة الأولى كما بيّنت في كتابي (المقطع 3.5.2).
وليتكم يا سماحة الشيخ ذكرتم العلاّمة المشهور “لويس ماسينيان” Louis Massignon الذي آمن بالإنجيل والقرآن ودافع عن الإنجيل وصوفيته. فهذ الإنسان هو رسول انفتاح ومحبة وسلام وتوفيق وتوحيد بين مؤمني الشرق والغرب. وهو من المستشرقين البارزين الذين اكتسبوا ثقة المؤمنين من مسحيين ومسلمين صادقين. إنني لا أتوسّع في ذكر العلماء واسمائهم وأقوالهم، مهما حسنت فضائلهم وسمت حججهم. فإني لا ارتكز إلا على الوحي الإلهي. لا أتوسّع في العلماء لئلاّ أبدو بمظهر المتغطرس الذي يعرض عضلاته الثقافية للضغط نفسانياً على السذج والبسطاء، أو كالملاكم الذي يعرض عضلاته المفتولة. ثم أن لجوئي إلى العلماء لن يزيد شيئاً لمن له عين ولا يرى وأذن ولا يسمع ما قاله الله في كتابه المنير.
ثالثاً: إن هؤلاء العلماء ـ أو معظمهم ـ الذين لجأتم إليهم يا صاحب السماحة، يطعنون لا في الإنجيل فحسب، بل في القرآن أيضاً، وفي عقائد إنجيلية يشهد لها القرآن، كبتولية مريم العذراء عليها السلام. هؤلاء هم رواد النضال الكريه ضد الوحي القرآني ـ وإن اعترفوا بصحة نصه لكنهم يرفضون مضمونه ـ وقد وضعوا أبحاثهم كلها في خدمة الكيان الإسرائيلي، مدعين أن اكتشافاتهم تقود إلى دعم إسرائيل. ومبشرين أن الإسرائيليين هم شعب الله المختار، وأن فلسطين هي حقهم الإلهي الشرعي. يفرضون على مسيحيي الغرب دعم اليهود في الشرق وفي الغرب. ويمارسون الضغط على الفاتيكان ـ خاصة الذين قد تسللوا منهم ـ كي يعترف بإسرائيل.

إن هدف هؤلا “العلماء”، بنشر عقيدة التزوير، هو زرع الشك بالإنجيل لأنه يطعن باليهود، فيقول المسيح لهم فيه مثلاً: “إن إلهكم هو الشيطان” (إنجيل يوحنا 8، 44). فالهدف النهائي من نشر عقيدة تزوير الإنجيل مزدوج:

  1. اعتبار النصوص الطاعنة في اليهود مزورة
  2. نزع الإيمان بعيسى مسيحاً، وصولاً إلى وجوب انتظار المسيح الذي يعتبره الإنجيل أنه المسيح الدجال، حيث أن عيسى هو المسيح الحقيقي الصادق وقد صدّق القرآن على ذلك

إن تسلّل العلماء الصهاينة والمتصهينين قد أنجب ثماره في قلب الكنيسة الكاثوليكية. ويعلم سماحتكم أن المجمع الفاتيكاني الثاني أصدر وثيقة لدعم اليهود سنة 1964، وأخيراً أيضاً، أصدر الفاتيكان وثيقة تفرض على المسيحيين التقرب من اليهود في 25 حزيران 1985. وأعيدكم إلى ما كتبه السيد “يوسف الياس ضاهر” في جريدة السفير بتاريخ 10. 11. 1985 عن هذه الوثيقة، وعنوان المقالة “وثيقة الفاتيكان الأخيرة والموقف من اليهود”.
أقول هذا كله لنزداد حذراً ولنلجأ إلى الكتاب المنير، دون سواه، لنتجنب عقاب رسل التزوير الضالين.
رابعاً: كيف يكون الكتاب مزوراً ويقول عنه القرآن الكريم: [ الذين آتيناهم الكتاب (الكتاب المقدّس) يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به هم الخاسرون ] (قرآن 2؛ البقرة 121).
إن الخاسرين، يا سماحة الشيخ، عند الله، ليسوا معشر المدافعين عن [ حق تلاوته ]، بل الكافرين به بافترائهم عليه بالتزوير.
ولقد قال الله تعالى في قرآنه الكريم: [ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ] (قرآن 5؛ المائدة 47).
أفيأمر الله بالحكم بما هو مزور؟ وكيف يصدِّق المؤمن بالقرآن ـ أو من يدعي الإيمان به ـ أن الكتاب مزور مع أن القرآن يصدِّق عليه، شاهداً أنه [ يتلى حق تلاوته ]. أفلا يعني هذا أن القرآن الكريم يبارك ويصدِّق على النص الإنجيلي؟ ماذا يلزم من برهان لسماحتكم أهم من شهادة الله؟ أمّا أنا فحسبي بالقرآن ضمانة من الخسارة. وحسبي به ضماناً لصحة ما أقول. أترك لسواي الطعن في الإنجيل والالتواء لرفضه بحجج فارغة قديمة وموروثة عن أجداد الأجداد يسحقها القرآن بكلمة واحدة يصدِّق بها على الإنجيل وتكفي لإرشاد القلب المؤمن بالقرآن حقاً.
قال سماحتكم عنّي: “تعثّر في خطواته وجانب الحقيقة في مضمونه”. كيف هذا وقد بنيت بحثي على القرآن؟ إنني لم أجانب الحقيقة، فهي في القرآن وانبثق بحثي كله منه. ولقد تركت لغيري تجنّب الحقيقة بعدم الاستشهاد به، واتباع المضللين من العلماء. وتركت لنفسي شرف اللجوء إلى القرآن والتسليم بما جاء فيه بلا مقاومة ولا مساومة.
لقد انتقدتموني، يا سماحة الشيخ، لأنني قلت إنه ورد في القرآن عن الذبائح الحية أنه [ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ] (قرآن 22؛ الحج 37). لماذا سكبتم سخطكم علي وأنا لم أذكر سوى آية قرآنية؟ إن ثورتكم هذه لن تنالني، فهي على كلام الله، والله كفيل وحده بالرد عليكم كما يليق بعزّته تعالى، عبرة للناس.
ثم أفرغتم علي غضبكم الحار لأنني رأيت أن الله العزيز الحكيم يرشد الرجل في القرآن الكريم إلى وحدة الزواج، لا إلى تعدده، حيث يقول تعالى: [ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (قرآن 4؛ النساء 3)… ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ] (قرآن 4؛ النساء 129).
إن قوله تعالى [ ولو حرصتم ] يبعد المؤمن الذكي المتبصر، الذي يصبو إلى إدراك مقصود الله بمجرد إشارة منه تعالى، عن التعدد. وإنّي قد ذكرت هذه الآيات القرآنية في كتابي مستنداً عليها في بحثي الصادق. إلا أن سماحتكم سقطتم علي بكل ثقلكم دون ذكر آية قرآنية مقنعة، بل رحتم ترتكزون على شعر شاعر. ولقد أدّى ضعف حجتكم القرآنية إلى زيادة قناعتي بأنّي في الصراط المستقيم فقافلتي سائرة قدماً.
وغضبتم علي أيضاً لأنني قلت إن الطلاق الفوضوي مكروه في العالم العربي بعد مرور نسمة القرآن الطاهرة عليه، وكان عشوائياً ظالماً كما تعلمون في الجاهلية. ماذا يغضبكم، هكذا، في كلامي هذا؟ فأذكّركم بما جاء في الأحاديث الشريفة عن الطلاق: “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق”. إن لفي ذلك حكمة لذوي الألباب ولا داعي لمزيد من التعليق.
تقولون في ردّكم (عدد 9 صفحة 82) إنه ليس لله شبه ولا صورة. وقد صرّح به في العهد الجديد أيضاً في مواضع عديدة أن رؤية الله في الدنيا غير واقعة. في الآية الثامنة عشرة من الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: “الله لم يره أحد قط”. لماذا، يا سماحة الشيخ، ذكرتم نصف الآية التي توافقكم في رأيكم عن عدم وقوع رؤية الله، ولم تذكروا الآية بكاملها التي تدحض ادعاءكم؟ فالآية بكاملها هكذا: “الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو عرّف عنه”. ولماذا لم تذكروا قول السيد المسيح للحواريين في الباب الرابع عشر، الآية التاسعة، وفيها يقول المسيح : “من رآني فقد رآى الآب”. إنكم بحذفكم من الآيات الإنجيلية ما يدحض أفكاركم، قد جعلتم بحثكم غير موضوعي وبلا مصداقية. فكيف تتهمون الآخرين بالتلفيق؟ ستقولون لي إنكم لا تؤمنون بالآيات التي لم تذكروها وإنها “مزورة”! حسناً! إن كان الإنجيل مزوراً، فالأفضل عدم ذكره إطلاقاً. ولذلك أحاوركم بالتي هي أحسن، بلفت نظركم إلى ما ورد في “تفسير الجلالين” عن الآية الأولى من سورة الإسراء حيث يقول محمد رسول الله المصطفى: “رأيت ربّي عزّ وجل”. إن تعليقي الوحيد هنا يخالف ما قلتم. وأقول إن رؤية الله في الدنيا واقعة قد وقعت، وإن العهد الجديد، خلافاً لما تعتقدون، لم ينفِ هذه الحقيقة… إلاّ للكفار والأثمة، لا لذوي النية الحسنة، فقد قال السيد المسيح: “طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله” (إنجيل متّى 5، 8). لكنكم ستجدون قطعاً حججاً فلسفية وعلمية لنفي إمكانية رؤية الله. أترك تلك الحجج لأصحابها، ولا أصغي إلاّ للإنجيل والقرآن والأحاديث.
لقد ذكرتم “إنجيل برنابا” في ردّكم، مع لائحة أخرى من الأناجيل غير القانونية عند المسيحيين، وكأنكم تضعونهم في مرتبة الأناجيل القانونية، بل وأنها، في نظركم، ربما أصدق منها. ليتكم أوضحتم للقراء الكرام ما بيّنت عن هذا الإنجيل المزيف في كتابي، وكيف برهنت أنه شهادة زور على الإنجيل والقرآن سوياً لأنه يقول إن عيسى ليس المسيح، وذكرت الآيات التي تدّعي ذلك وقلت إن هذا يخالف تعاليم الإنجيل التي تؤكّد أنّ عيسى هو حقاً المسيح، كما أنها تخالف تعاليم القرآن. فهي تصدّق على الإنجيل معتبرة أن عيسى ـ دون غيره ـ هو المسيح الحقيقي الصادق. يعلم سماحتكم أن كثيرين يؤمنون بـ “إنجيل برنابا” على أنه هو الإنجيل الحقيقي. فلماذا كتم سماحتكم حقيقة هذا “الإنجيل” ولم توضحوا الأمور للقارئ، تاركين إياه في جهله، ورحتم تركزون ضرباتكم على الأناجيل الصادقة؟ لماذا إخفاء الحقيقة وأنتم مرشد ديني؟ لماذا؟
وختاماً، أقول إنني أقدمت على إنجاز كتابي قناعة مني أن القرآن الحبيب الكريم ليس ملكاً لأحد، ولا الإسلام حكراً على أحد، فرغبت في أن أقدمه كما اراه وأفهمه. وقدّمت حجتي وكنت صادقاً. وقدّمت وجه النبي محمد الجميل العذب كما عرفته وعشقته، ليعشقه معي من له عنه صورة خاطئة انطبعت في نفسه من أخطاء الذي شوهوا صورة القرآن والإسلام ومحمد.
لقد طرحت في كتابي بحثاً جديداً ومفهوماً جديداً. ولفت النظر مشيراً إلى نقاط مهمة ظلت ضائعة طويلاً. واستيقظ وفرح باكتشافها الكثيرون، ولن يطفئ هذا الشعاع أحد. وقد جاوبني سماحتكم بمنطق وتعاليم عتيقة لا تقنع إلاّ الضال أصلاً. فقد مضى زمن المنطق المتعصب الطاعن في كتب الوحي، فهذا منطق لم يفلح… وأنّى له أن يفلح؟ فالكتب السماوية تسير قدماً، متحدية الزمن والأعداء والأحداث. إنها لا تحتاج إلى شهادة أحد من البشر لتبقى. فقد حماها الله وصدّق عليها وآمن بها الضمير المخلص الناضج. فكثيرون بالماضي البعيد والقريب طعنوا في الإنجيل ولهم على الأرض سلالة وأتباع. لكنه موجود كالصخرة يتحطّم عليها المعادي العنيد. وكثيرون طعنوا ويطعنون في القرآن العزيز الكريم، لكنه نفس الصخرة التي تمزّق بدن محاربها المتعصّب.
إنني أشكركم، يا صاحب السماحة، على ردّكم الذي تعبتم وبحثتم من أجله. أشكركم لأن ردّكم طمأن قلبي وثبّتني في إيماني، وإني الآن متمسك بمضمون كتابي أكثر من ذي قبل، بعد إدراك ضعف حجتكم، بل غيابها.
إنني بالطبع لا أتوقع أن يشاركني كل مسلم وكل مسيحي هذا الاقتناع، وليس المهم أن يوافق الكل على ما كتبت، فكثيرون ممن أثنوا علي لا يشاطروني كل الرأي. وهذا طبيعي بل وإيجابي. إنما المهم هو حرية ابداء الرأي بقناعة، وتبادل الأراء بمحبة، دون نعت الآخرين بالتلفيق أو بسواه. فالدين، بالنهاية، معاملة بالتي هي أحسن. ولذلك فإني على أتم استعداد لمقابلة سيادتكم، إذا شئتم، وإذا رأيتم في ذلك فائدة، في حوار هادئ دافئ، نتبادل فيه الأفكار بحرية وبعيداً عن التشنج والعصبية والتعصب والاستفزاز، شرط أن يكون الحوار والبحث حول كتاب منير، لا من أقوال الشعراء والفلاسفة والعلماء، وقد شبعت منهم. وإنها لوصية الله.

رد الشيخ ق.ر

قرأت هذا العنوان والتعليق عليه في الجريدة والرد عليه بتوقيع حضرة الأب بطرس الجزيل الاحترام، وردّه اشتمل على نقاط أثارها مجدداً علماً بأن ردّي على حضرته في المجلة – والذي لم يستكمل نشره بعد – قد اشتمل عليها، وأماط اللثام عنها.
وفي ردّه اتهمني بالانفعال. وأقول لسيادته بكل محبة وإخلاص إنني لا غاية لي من وراء ذلك سوى إحقاق الحق.
وفي ردّي عليه لم أخرج عن قانون التهذيب في حسن التخاطب عارضاً العقيدة السليمة المؤيدة بالمنطق والعقل، وبدعمها صحيح العقل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم وحميد.
أضيف أن حضرة بطرس الذي عاب علي أسلوبي في التخاطب والحوار، قد وقع في فخ ذلك.
قال حضرته – غامزاً من قناتي : “أرى أنكم وفّقتم في إيجاد سجعاً بين كلمتي التلفيق والتوفيق، وأهنئكم على ذلك. لكن هدفنا ليس السجع…”.
فهل ادعيت أن هدفي السجع، وهذه العبارة حصل فيها السجع العفوي غير المتكلف، حيث لا يمجّها القارئ، ولا يستثقلها السامع. وما مثلي ومثل سيادته إلاّ كما قال القائل:” لا تنهِ عن خلق وتأتي مثله.
وما أطال حوله الكلام، حول التوفيق بين المؤمنين، سأوجز ما قاله فيه:
التوفيق بين المؤمنين يجب أن يقوم على أسس صحيحة ثابتة لا تتلاعب بها الأنواء، ولا تهتز للرياح العاصفة. وهذا من المسلمات لدى جميع العقلاء.
فأناشد جميع المنصفين، كيف يمكن الجمع بين عقيدة الموحّد وعقيدة المثلث؟! بين عقيدة من ينفي الصلب ووقوعه، وبين من يثبته؟! بين من يؤمن بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا زوجة له ولا ولد، وبين من يثبت نقيض ذلك؟! بين من يقول في القدّاس يا مريم والدة الإله، وبين من ينفي ذلك ويقول: تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. هذه بعض الأمثلة في المسائل المتنازع عليها بين المسلمين والنصارى في صلب العقيدة وجوهرها.
نعم يمكن التقريب والتوفيق بغرس المحبة بين بني الإنسان. وإن الإنسان أخ للإنسان أحبّ ذلك أم كره.
يمكن ذلك على أساس قول الله تبارك وتعالى: [ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ] (قرآن 49؛ الحجرات 13) وفي قوله سبحانه [ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين ] (قرآن 60؛ الممتحنة 8).
وهل إذا اختلفت عقيدة بعض الناس مع عقيد آخرين، يعني ذلك وجود التناحر والتخاصم والتقاتل والتهجير والتشريد؟… أبداً.
ووحدة الوحي الإلهي، وحدة يؤمن بها المسلم، لأنها جزء مهم من عقيدته. فلو طعن أو انتقص المسلم أحداً من أنبياء الله ورسله، لنكر الإسلام، ووقع في الكفر والردّة.
بعد ما قام وما يقوم بين المسلمين عربهم وعجمهم من جهة، وبين إسرائيل الصهاينة من جهة أخرى، العداء والتقاتل والتناحر والتقاطع منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا. ورغم ذلك لو تجرّأ مسلم لصق تهمة بنبي الله موسى، ثبتت ردّته عن الإسلام وأصبح كافراً.
وحدة الوحي والعقيدة أمر قرره القرآن، وأكّده نبيّنا ونبي الله محمّد عليه الصلاة والسلام.
وقد أوردت شواهد هذا البحث مفصّلة في ردّي الذي نشر في المجلة فلا أرى حاجة لتكراره.
كما أثار حضرة الأب بطرس المحترم تفسيراً وتساؤلاً حول قول الله تبارك وتعالى: [ يا أيها الذين أوتوا آمنوا بما نزّلنا مصدِّقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً ] (قرآن 4؛ النساء 47).
ذكر المفسّرون سبب نزول هذه الآية، قال ابن إسحاق: كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار اليهود، منهم عبدالله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم: “يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق”. قالوا: ” ما نعرف ذلك يا محمد”. وجحدوا ما عرفوا وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله هذه الآية.
أمّا التصديق فمعناه: معرفتهم بصفة النبي وإصرارهم بعد ذلك على الكفر.
وقد نعى الله على المحرّفين من أهل الكتاب في آيات كثيرة تقتصر على قوله سبحانه وتعالى: [ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ] (قرآن 2؛ البقرة 79).
وقد دعا الله جل وعز أهل الكتاب بهذا النداء: [ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا أرباباً من دون الله ].
وهذه الدعوة الإلهية ما زالت قائمة، وما زال الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن يريد الاستجابة.
وأمّا ما استشهد به سيادة بطرس عن قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة [ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ]، قال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب القرآن.
وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الذين إذا مرّوا بآية رحمة سألوها عن الله، وإذا مرّوا بآية عذاب استعاذوا منها.
وقد دخل حضرة بطرس في متعلقات كتعدد الزوجات واستشهد بالآية الكريمة في سورة النساء 3: [ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ]. والمراد بالعدل هنا ميلان القلب. وهذا أمر لا يملكه البشر، وإنما هو ملك لرب البشر. ولقد عدّد صلوات الله وسلامه عليه الزوجات وعدّد بعض الصحابة على معرفة منه، ولم ينكر عليهم.
وقد عرج ببحثه حول رؤية الله تبارك وتعالى في الدنيا. وهذه مسألة خلافية بين العلماء. والذي نميل إليه، بل ونعوّل عليه أن الرؤية ممتنعة في الدنيا، وحصولها في الآخرة بلا كيف ولا مثال ولا تمثيل عملاً بقوله تعالى: [ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ].
وهناك مسائل لا تستحقّ الوقوف عندها كثيراً، فالرد على الكتاب ـ والحمد لله ـ استوفى هذه المسائل بكاملها.
وفي الختام أسدي الشكر مقروناً بتهنئتي القلبية لسيادة الأب بطرس وقد لمست في مقاله عبارات حسنة جميلة، أورد منها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه حضرته حول المسيح الدجال، مسيح اليهود، وحول صراحته الإيمانية بالقرآن، وإظهار محبته للنبي محمد عليه وعلى إخوانه الأنبياء الصلاة والسلام.
وإنني أعلنها صريحة فصيحة مثنياً على هذه الدعوة الكريمة التي وجهها إلى الفقير إلى الله تبارك وتعالى، إلى الحوار الهادئ البنّاء. فعلى الرحب والسعة بكل محبة وشغف وإخلاص بناء لدعوة سيادته التي أرحب بها وبمحتواها أجمل ترحيب، واعلم أن كل واحد لا غرض له من ذلك سوى نشر الحق ورسالته وتلقيح الأفكار بالحوار المطلوب.
والله ولي التوفيق والهدى إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين، وكل من كان على منهاجهم إلى يوم الدين.
الشيخ ق.ر

الرد الثاني على الشيخ ق.ر

سماحة الشيخ ق.ر المحترم. قرأت ردّكم في الجريدة على وحدة الوحي لا التوفيق. وابتهجت بموافقتكم على أن المسيح الدجال هو المسيح الصهيوني الدجال ودولته المزيفة إسرائيل. فرسالتي الأولى هي الإشارة إلى هذا الكيان الشيطاني وكشف القناع عن دجله وظلمه. واسمح لنفسي بأن أرسل لسماحتكم كتابي عن “المسيح الدجال في الإسلام”، فنبيّنا الحبيب محمد قد تكلم عنه في أحاديثه.
إلاّ أنه يترتب على الإيمان بظهور المسيح الدجال أمور إيمانية وروحية كثيرة سيرفضها المتضررون منها. ومنها أننا قد وصلنا إلى الزمان الرديء الذي حذرنا منه كل من السيد المسيح والنبي محمد الحبيبين، وأنه بظهور هذا الدجال، يبدأ في العالم عهد جديد يكون فيه المولى عز وجل ـ وحده ـ خليفة كل نبي وخليفة محمد (ص) على كل مؤمن لتخليصهم من هيمنة الخلافة البشرية ومستغليها المتاجرين بالدين والمرتزقة الذين كبّلوا ـ وما زالوا ـ ضمائر المساكين والبسطاء بأغلال لا يستطيع فكّها إلاّ الله العزيز. وإنها لحكمة المولى فهو الذي يفسح اليوم المجال ويفتح بابه وذراعيه على المصراعين لاستقبال القلوب التي تصبو إلى التحرر من جاذبية المادة للتحليق والسمو نحوه تعالى للتعايش وإياه وبحضرته الإلهية أبدياً ومنذ الآن. أقول تبطل الادعاءات البشرية للخلافة بعد أن قال النبي المصطفى في الحديث: “غير الدجال أخوفني عليكم، أن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وأن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه والهر خليفتي على كل مسلم“. (حديث 1806 من “منهل الواردين” لسماحة الشيخ صبحي الصالح). ولقد ظهر الدجال، فالله هو خليفة محمد.
أجيب الآن بتسلسل متطابق مع تسلسل النقاط التي أثرتموها.
1 . تقولون: “التوفيق بين المؤمنين يجب أن يقوم على أسس صحيحة ثابتة… كيف يمكن الجمع بين عقيدة الموحّد وعقيدة المثلث؟ بين عقيدة من ينفي الصلب ووقوعه وبين من يثبته؟ بين عقيدة من يؤمن بالله الواحد الأحد الذي لا زوجة له ولا ولد، وبين من يثبت نقيض ذلك؟”
أولاً: إن وحدة الوحي التي أبشر بها هي الأساس الثابت الذي لا يتزعزع للتوفيق بين المؤمنين. وإن أساس التزوير الذي تتذرعون به لا وفاق فيه. فهو ينقض القرآن والإنجيل معاً وهو غير مقبول عند مشايخ ومسلمين وكهنة ومسيحيين كثيرين ذكرت منهم المرحومين الشيخ محمد عبده والشيخ الأفغاني.
ثانياً: إن الجمع بين عقيدة الموحّد وعقيدة “المثلّث” مستحيلة. أما بين حقيقة الموحّد وحقيقة “الثالوث”، فذلك أمر واقع أوحى به الله، وقد شرحته في كتابي “نظرة إيمان بالقرآن الكريم”، وأوجز الشرح كما يأتي:
“إن الإنسان وكلمته وروحه أمر واحد وشخص واحد لا أشخاص ثلاثة. كذلك فالله وكلمته وروحه حقيقة واحدة. وأنزل الله وحيه لنعلم أن المسيح هو كلمة الله وروح الله، ولم يقل الله كلاماً كهذا عن نبي آخر”.
ثالثاً: لا يمكن الجمع بين “ما” ينفي الصلب وبين “ما” يثبته. وقد شرحت في كتابي المذكور أنه ـ في نظري ونظر آخرين معي ـ إنما مقصود القرآن الكريم، بما ورد فيه عن صلب المسيح، يحتمل التأويل، وهو نفي نيل اليهود من رسالته بقتله. فقد تكلم القرآن عن موت وبعث عيسى كما شرحت في كتابي تصديقاً لما جاء في الكتاب. وفي كل الأحوال، إن الاعتقاد بصلب أو بعدم صلب المسيح في القرآن ليس عقبة ـ لدى المؤمن الناضج المتحرر من التعصب ـ تحول دون الإيمان بوحدة الوحي، إلاّ إذا كان هذا “المؤمن” من عابدي الحرف، لا من الباحثين عن المقصود الإلهي من خلال الكلمة، وقد شجب القرآن الكريم الذي يعبدون الله على الحرف بقوله: [ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ] (قرآن 22؛ الحج 11).
رابعاً: الإنجيل لا يقول إن لله زوجة يضاجعها وينجب منها ولداً، كما تلمّحون. وقد بيّنت ذلك في كتابي المشار إليه، موضحاً أن المسيح وُلد من مريم بكلمة منه تعالى الذي يقول كن فيكون وهذا ما أوحى الله به في الكتاب والقرآن.
خامساً: إنني لا أنعت من يقول إن مريم هي “أم الله” بالكفر أو الإشراك. فهؤلاء يستندون في عقيدتهم إلى ما جاء في الوحي الإنجيلي عن تجسد الله ـ لا عن تجسد إله من الآلهة وهذا هو الشرك فلا إله إلاّ الله ـ وقد تمّ هذا التجسّد في السيد المسيح. هذا الوحي معروض ويرفضه البعض لعدم استيعابه وفقاً لحكمة الدين السماوي التي تدحض فلسفة تزوير الإنجيل، وإنها لمسؤوليتهم. وفي مطلق الأحوال، إن القرآن من هذا الادعاء بالتزوير براء.
إن مريم هي أم جسد المسيح الذي خُلق كما خُلق آدم وليست أم الروح الإلهي الذي أحيا هذا الجسد واستعمله أداة لنشر النور السماوي في العالم. إن صفة “أم الله” المنسوبة لمريم هي صفة زمنية، لا أزلية، للتي [ اصطفاها الله ] فوق نساء العالمين (قرآن 3؛ آل عمران 42) دون سواها لأسباب لاهوتية أوحى بها المولى ليتقبّلها الروحانيون وليرفضها الماديون وليستوعبها المبصرون. وإن مريم ليست سوى “أمة الرب” وخادمته كما أعلنت نفسها في الإنجيل. فهي مخلوقة كسائر الناس. لا تتميز عنهم إلاّ لكونها وحدها دون نساء العالمين الأم الزمنية لمن هو كلمة الله وروح الله دون سواه من البشر. لذلك قال النبي المصطفى الحبيب العجيب في قدرتي الإبصار والتمييز: “ما من أحد يولد إلاّ والشيطان يمسّه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان، إلاّ مريم وابنها” (تفسير الجلالين لآية آل عمران 36). إن لعدم نيل الشيطان من عيسى ومريم أسباباً لاهوتية لا تفوت على المبصر المميز.
لكنني أقول الآن بعد أن قدّمت حجتي الصادقة: دعونا نجمع أولاً بين الذين يؤمنون بنفس العقائد. ففي لبناننا المسكين ـ وفي خارجه ـ تتقاتل الطوائف، بل ويقتل ويشرّد أبناء الطائفة الواحدة والمذهب الواحد إخوانهم. فلذلك أوافق سماحتكم عندما تقولون: “يمكن التقريب والتوفيق بغرس المحبة بين بني الإنسان”، مستشهدين في قولكم الجميل هذا بآيات قرآنية بينات، وهذا ما أدعو إليه بإذن الله. فلا إكراه في الدين، والدين لله، والأرض للجميع. وأؤمن بالتعايش السلمي حتى بين المؤمن والملحد إذا حسنت المعاملة. فالله هو المالك يوم الدين وحده، ومن آمن كثيراً سيطالب بكثير.
2 . تقولون: “وحدة الوحي في العقيدة أمر قرره القرآن وأكّده نبيّنا ونبي الله محمد عليه الصلاة والسلام”. إنّني لا أود الدخول في منافسة غير صحية للمقارنة بين كتب الوحي، أو بين الأنبياء، وأغوص في مزايدة لا يقدّسها الدين والأنبياء. لكنّني أسأل سماحتكم كيف يمكنكم “التوفيق” بين وحدة الوحي التي تؤمنون بها وعقيدة تزوير الإنجيل التي تقرّونها؟ وكأن الله سبحانه وتعالى غير قادر على صيانة وحيه من التزوير.
3 . تقولون: “أثار حضرة الأب بطرس المحترم تفسيراً وتساؤلاً حول قول الله تبارك وتعالى: [يا أيها الذين أوتوا الكتاب (التوراة والإنجيل) آمنوا بما نزّلنا (الله) مصدِّقاً لما معكم (القرآن) ]، وشرحتم الآية هكذا: “أمّا التصديق فمعناه: معرفتهم (أي معرفة بعض رؤساء من أحبار اليهود) بصفة النبي وإصرارهم بعد ذلك على الكفر”.
أجيب بأنه جاء في تفسير الجلالين خلاف ما تقولون وهو هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا (من القرآن) مصدِّقاً لما معكم (من التوراة) ] (قرآن 4؛ النساء 47). فالتصديق هو إذاً للكتاب كما قلت. ولم أجانب الحقيقة في بحثي كما اتهمتني. وإن تصديق الآية القرآنية للكتاب لا لمحمد (ص) ظاهر من كلمات الآية حيث يدعو الله إلى الإيمان بما نزّل (أي القرآن) مصدِّقاً لما معهم. فكلمة “ما” لا تنطبق على العاقل بل كلمة من. فلو كان المقصود التصديق على النبي محمد لكانت الآية “مصدِّقاً لمن معكم“. لذلك أعود أؤكد أن كلمة “ما” تعود إلى الكتاب. وإن التصديق القرآني لهو عليه وهذا واضح من سياق الآية نفسها وموضوعها المستهدف. زد على ذلك قوله تعالى: [ مصدِّقاً لما معكم ]، فالنبي محمد لم يكن معهم لأنهم لم يؤمنوا به، بل ما كان معهم ـ بكل صدق واستقامة ـ هو الكتاب.
أنهي هذا الموضوع المهم قائلاّ إنّه لو كان قصد الآية هو التصديق لمحمد لنزلت هكذا مثلاً: “يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدِّقاً لمن (محمد) تعادون وبه تكفرون”.
4 . تقولون: “أمّا ما استشهد به سيادة الأب بطرس من قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة: [ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته ]. قال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب والقرآن.
أجيب بأننا نجد في تفسير الجلالين عن هذه الآية أنها نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا. نحن نعلم أن سكان الحبشة من الأقباط وأن كتابهم هو التوراة والإنجيل. إن إسلامهم، أي اعترافهم بأن محمد (ص) هو بالحق نبي الله، لهو دليل على أنهم لم يكونوا مسلمين من أصحاب النبي وأن الكتاب المعني هنا هو التوراة والإنجيل. زد على ذلك أن القرآن لم يكن قد جُمع بعد في كتاب، وهذا لم يتم إلاّ مع عثمان بن عفان عليه السلام. وعلى ذلك، أنا وغيري نخالف رأي قتادة ونتبع رأي الجلالين.
5 . تقولون إن تفسير الآية: [ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ] إن المراد بالعدل هنا ميلان القلب، أرد: فليكن. لكن الله تعالى قال: [ إن خفتم ألا تعدلوا (وإن كان من حيث ميلان القلب عاطفياً) فواحدة… ولن تستطيعوا أن تعدلوا ولو حرصتم، أي فواحدة. زد على ذلك إنه لأكثر يسراً العدل والإنصاف مادياً منه عاطفياً. أقول: إن كان التفسير هو استحالة العدل من حيث ميلان القلب، فبالأحرى الزواج بواحدة، لأن العاطفة أقوى وأهم من المادة عند الروحانيين، لا الشهوانيين.
وما يعزز اعتقادي هذا، فتوى وزير الأوقاف المصري الدكتور الأحمدي أبو النور، فقد كتب: “…بعض الأباء يتصورون أنه متى أعطاهم الله سعة من المال فقد تحقق لهم شرط الزواج بامرأة ثانية، لا سيما إذا حدث بينه وبين الأولى نفور أو شقاق. ونستطيع أن نقول إنه حين لا يكون للتعدد مسوغ مقبول، فإنه يكون ممنوعاً وحراماً. اللواء 20 كانون الأول (ديسمبر) 1985.
فإذا كان الزواج الثاني ممنوعاً وحراماً، وفقاً لفتوى الوزير أبو النور، فما بالكم عندما يكون ثلاثاً أو رباعاً؟ إني أجزم بأن أبغض الحلال عند الله، بعد الطلاق، هو تعدد الزوجات.
لقد قرأت في جريدة اللواء بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 1985 مقالاً بعنوان: “متى يسوغ الزواج ثانية”، بقلم الدكتور الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف المصري، وهي بمثابة فتوى منه تتعلق بالزواج الثاني. إنه ينتقد بقوة الذين يتصورون أنه متى أعطاهم الله سعة من المال، فقد تحقق لهم شرط الزواج بامرأة الثانية، لا سيما إذا حدث بينهم وبين الأولى نفور أو شقاق.
ويذكر الدكتور الأحمدي ما يثير الاضطراب والفتنة لا الاستقرار والسكينة ويزرع الحقد والقسوة في الزواج الثاني مقدّماً مثلاً حيّاً في شخص موظف تزوج ثانية، فأهمل عائلته الأولى، فانهارت العائلة الأولى وهو معها، ولم يسعد أحد. إنه لمثل من الأمثلة الكثيرة عن الزواج الثاني. فما بالكم عندما يكون ثلاثاً ورباعاً. إنني أظن أن أبغض الحلال عند الله بعد الطلاق هو التعدد.
إن استشهادكم بتعدد زوجات النبي غير مقنع لأن زواج محمد (ص) المتعدد إنما لأسباب توحيدية سياسية وتوفيقية بالمصاهرة، لا لميلان القلب. وما سمح به المولى لنبيّه ونبي العالمين ونبيّنا محمد (ص) لا يسمح به لسائر البشر لعدم الضرورة. والآيات القرآنية ترشدنا وهي الحكم بيننا.
6 . تقولون عنّي: “وقد عرج ببحثه حول رؤية الله تبارك وتعالى في الدنيا. وهذه مسألة خلافية بين العلماء. والذي نميل إليه، بل ونعوّل عليه أن الرؤية ممتنعة في الدنيا…”.
ردّي إنني لا أهتم بأقوال العلماء كما يعلم سماحتكم فأنا لا أبغي التفلسف حول موضوع حسمه الوحي والأنبياء ببساطة. وقد ذكرت قول محمد (ص) عن الإسراء والمعراج: “رأيت ربّي” عز وجل (تفسير الجلالين عن الآية الأولى من سورة الإسراء).
لذلك فإني أنفتح على خبرة الأنبياء غير مصغ للعلماء والفلاسفة الذين يريدون منعي من معاينة الله. وأنطلق فارداً جناحي لألبي الدعوة التي وجهها الوحي الإلهي وأنبياؤه الأطهار إلى القلوب الصافية للسمو والارتقاء من الماديات والأفكار البشرية ومنطقها المحصور الضيق، متسلّقاً القمم لمعاينة الله بعونه وإذنه تعالى.
إنني أتذكر مثلاً أورده هنا للتوضيح. إنه حديث دار بين ضرير ومبصر. قال المبصر للضرير: “أنظر الشمس كم هي جميلة عند شروقها”. أجاب الضرير: “لا يمكن لأحد أن يرى الشمس”. أجاب المبصر: “بل إني أراها”. جاوب الضرير: “لا! لا يمكن رؤيتها”. أقول إن كلاهما على حق، فالبصير يرى ويسعد، والضرير لا يرى. المهم أن نوفق بينهما إذا أمكن تاركين المبصر يتمتع برؤيته، وداعين للضرير بالشفاء.
أرجو أن لا يؤخذ كلامي هذا طعناً وإنّي أقوله بمحبة فائقة، واضطراراً للتوضيح لا للتجريح. فهدفي ليس النيل من أحد إنما هو الشهادة للحقيقة. وإني، لا في ردّي الحالي ولا في السابق قصدت الطعن بأحد كما اتهمت، بل حاولت أن أشهد ـ وبلهجة قوية، نعم، لكن بكل احترام، لوحدة الوحي الإلهي إكراماً للمولى قبل مجاملة الناس. وإني أعتذر مسبقاً لمن يظن أني استهدفته في المثل الذي ذكرته مؤكّداً أنه ليس كذلك. بل إنني أؤمن بالأنبياء وبما أوحى المولى لهم، باذلاً كل جهدي لأدعو المؤمنين إلى السمو إلى طبقات الروح العليا العليا لمعايشة المولى كما فعل مؤمنون صوفيون مسيحيون ومسلمون كثيرون، أذكر منهم “الحلاج”.
7 . قلتم إنكم أوردتم في ردّكم شواهد مفصّلة عن وحدة الوحي، إلاّ أن شيئاً من هذا لم يكن. كما أنكم تفاديتم الجواب عن إنجيل “برنابا”، وعن استحالة فسخ شريعة عيسى كونها شريعة محبة وإنصاف، لا شريعة طقوس وتقاليد مادية يتوجب إلغاؤها.
8 . تكلمتم في ردّكم الخامس علي في العدد الأول من هذه السنة من إحدى المجلات عن عظمة القرآن العزيز وأثره في اللغة ووفصاحة الرسول وأثرها في اللغة. وكان هذا ردّ على كتابي، إلاّ أنني لم أتطرق إلى هذه الأمور في كتابي، وإيماني بإعجاز القرآن اللغوي والروحي وبالوحي الذي نزل على نبيّنا محمد (ص) إيمان تام. وإذ بكم تقدّمون هذه المواضيع في إطار ردّكم علي وكأنّني لا أؤمن بها، فتماديتم عن قصد في تشويه مضمون كتابي.
9 . أمّا القليل الذي أوردتم في ردّكم الخامس عن أمر المائدة السماوية ذاكرين بعض تفاسيرها. فهذا يعني أن الاجتهاد حول هذا الموضوع مفتوح، ولن يكتشف جوهرها إلاّ من تواضع وسأل الوحي الإنجيلي عنها لأنه، كما تقولون في صفحة 95 من ردّكم الخامس، المقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل، والله أعلم بتعيينه. وقد عيّنه المولى عز وجل فعلاً في إنجيل يوحنا الفصل السادس من الآية 51 إلى الآية 63، في إنجيل متّى الفصل 26 الآية 26 إلى الآية 29، في إنجيل لوقا الفصل 22 الآية 19 و20، وإنجيل مرقس الفصل 14 الآية 22 إلى الآية 25 بالإضافة إلى رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس الفصل 11 الآية 17 إلى الآية 33. لكن هناك من لا يصدِّق ويرفض التسليم بها كما رفض اليهود بالأمس وآخرون كثيرون اليوم. وإني قد فسرتها في كتابي (الفقرة 4.3).

10 . لقد كررتم في ردّكم الخامس دعوة القرآن الكريم لأهل الكتاب: [ إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا أرباباً من دون الله ] (قرآن 3؛ آل عمران 64). لاحظوا أن القرآن ـ لعلمه أن أهل الكتاب لا يشركون بالله أحداً ـ يطلب منهم أن لا يشركوا به شيئاً (كالمال مثلاً). لقد لبّينا هذه الدعوة الشريفة ـ زملائي وأنا ـ ووجدنا كلمة سواء بين المسلمين والمسيحيين الصادقين دون سواهم، وأسلمنا، لا لله فحسب، بل ولكافة كتبه المنزلة، كما أمر القرآن الكريم، [ والمؤمنون كل من آمن بالله وملائكته وكتبه (بالجمع)… ] (قرآن 2؛ البقرة 285).
نؤمن بالتوراة والإنجيل والقرآن.
كم أراكم على حق إذ تقولون: “إن توحيد بعض الفرق من الناس توحيد بعيد عن التوحيد مشوب بالشرك فقال تعالى [ وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون ] (قرآن 12؛ يوسف 106). فهناك من يشرك بالله أشياء كثيرة كالمال والجاه والملذات كما بيّنت في كتابي. وهناك الذي يدّعون التوحيد ويشركون بالله عبادة عقولهم فيرفضون كتباً أوحاها الله للهدى، لأن منطقهم المادي الضيق غير قادر على الارتقاء لاستيعاب سمو مضمونها الروحي. فبدلاً من الرضوخ لها، يفترون عليها بالتزوير وغيره.
هدانا الله وإياكم لغرس السلام حتى بين الأعداء.
(ينهي بطرس طالباً من المجلة أن تتكرم بنشر كل ردوده على الشيخ ق.ر إحقاقاً للعدل والإنصاف)

بطرس